آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-12:34ص

صمود الشعب اليمني في وجه العمالة والتدمير

الخميس - 27 نوفمبر 2025 - الساعة 06:23 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


يمر الشعب اليمني اليوم بمحنة تاريخية غير مسبوقة، محنة أثقلت كاهله بالمعاناة والدمار، وأطلقت صرخات مدوية من أعماق القلوب الموجوعة. هذه الصرخات ليست مجرد تعبير عن الألم الفردي، بل هي شهادة حية على صمود شعب جبار يواجه قوى متعددة الأوجه هدفها الأساسي هو تدمير هذا الوطن العريق. إن المشهد اليمني اليوم هو تقاطع مرير بين إرادة شعبية صادقة تتوق إلى دولة يسع الجميع فيها، وبين قوى عميلة تعمل لخدمة أجندات خارجية، أبرزها أجندة إيرانية تسعى إلى استعباد الإرادة الوطنية، إضافة إلى تدخلات خارجية طامعة تسعى لإذلال الشعب وإقصائه عن محيطه التاريخي. ورغم هذا الواقع القاسي، يظل الإيمان راسخًا بأن اليمن، رغم مرضه الحالي، لن يموت.


تكمن جذور المأساة الحالية في صراع معقد تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية مع الاستقطابات الداخلية. لقد تحول اليمن، بتركيبته الاجتماعية والجغرافية الفريدة، إلى ساحة لتصفية الحسابات، حيث تم استغلال الفراغ السياسي وتضخيم الانقسامات لزرع بذور الفوضى. إن ما يشعر به المواطن اليمني هو إحساس عميق بالخيانة، فالأوطان لا تدمر ذاتيًا بهذا القدر من الشمولية إلا بتواطؤ أو غياب إرادة وطنية جامعة قادرة على التصدي للقوى الموجهة. هذه القوى، التي اصطلح على وصفها بالعميلة، تعمل وفق أجندات لا تراعي سيادة الدولة أو مصلحة المواطن، بل تستهدف تفكيك النسيج الاجتماعي والاقتصادي لفرض هيمنة بديلة.


في قلب هذا الصراع تقف الإرادة الشعبية الصادقة، التي تشكل النقيض التام لمحاولات الاستعباد. هذه الإرادة لا تتجسد فقط في المقاومة العسكرية، بل في الصمود اليومي لأفراد المجتمع الذين يحافظون على تماسكهم الاجتماعي والثقافي رغم شح الموارد وتصاعد العنف. حلم المواطن اليمني بسيط وعميق: وطن يسوده العدل، تتجسد فيه المواطنة الكاملة، وتتوفر فيه مقومات الحياة الكريمة للجميع، بغض النظر عن الانتماء القبلي أو المناطقي أو المذهبي. هذا الحلم هو الركيزة التي تستند إليها الشرعية الوطنية الحقيقية، وهي الشرعية المستمدة من إرادة المحرومين من مقدراتهم.


في المقابل، نجد القوى التي تدعمها أجندات خارجية، وبالأخص تلك المرتبطة بالنفوذ الإيراني، تسعى لتطبيق نموذج قائم على التبعية والتوجيه العقائدي والسياسي. إن استهداف الدولة المركزية والتحكم بالموارد والمنافذ هو جزء من استراتيجية أوسع تهدف إلى تحويل اليمن إلى تابع يخدم مصالح جيوسياسية لا تمت بصلة إلى تاريخ اليمن وحاضره. هذا المسار الاستعبادي يقابله رفض شعبي متصاعد، حتى وإن لم يكن معبرًا عنه بصوت واحد بسبب القيود المفروضة على الحريات والتعبير في مناطق النزاع.


أما التدخلات الخارجية الأخرى، فتأتي غالبًا بدافع الطمع في موقع اليمن الاستراتيجي المطل على الممرات المائية الحيوية، أو بهدف تحقيق توازنات إقليمية تخدم مصالح القوى المتنافسة. هذه القوى الخارجية، في غفلتها أو تعمدها، تظن أنها تستطيع ببساطة طمس الهوية اليمنية أو إضعافها إلى درجة الانحسار التام. لكن التاريخ اليمني يثبت عكس ذلك. فاليمن، عبر عصوره، أثبت صلابة استثنائية في وجه المحاولات الغزوية والاحتلالية، بدءًا من حقب ما قبل الإسلام وحتى العصور الحديثة.


هذا الإدراك ينبع من عمق التاريخ اليمني الذي يتسم بالتنوع والقدرة على التجدد الذاتي. إن الشعور بالظلم الناتج عن الدمار الخارجي والعمالة الداخلية لا يؤدي إلى اليأس التام بقدر ما يولد طاقة كامنة للمقاومة الحضارية. إن ما يواجهه اليمنيون اليوم هو تحدٍ وجودي، يتمثل في الحفاظ على الدولة الوطنية في مواجهة قوى تسعى إلى تفتيتها وتجزئتها.


ان المشهد اليمني معقد ومؤلم، تحكمه قوى عميلة تخدم أجندات خارجية طامعة، وتسعى لفرض واقع الاستعباد على إرادة شعب يحلم بالحرية والوحدة الوطنية الشاملة. إن القوى التي تظن أنها قادرة على طمس اليمن من الوجود تسيء تقدير صلابة هذا الشعب وتاريخه المتجذر. مهما بلغت العمالة الخارجية وتعاظمت قوة الميليشيات، فإن الروح اليمنية، التي تشهد على آلاف السنين من الحضارة والتحدي، ستبقى عصية على الانكسار. اليمن سيظل قائمًا، شامخًا، ينتظر اللحظة التي تستعيد فيها إرادته الحقيقية زمام الأمور لبناء الوطن الذي يستحقه.