في بداية السبعينيات، حين كان الرفاق بسلطتهم وصميلهم يظنون أنهم قادرون على إعادة تشكيل الجغرافيا والإنسان كما يشاؤون، بدأوا أولًا بالجغرافيا عبر التقسيم الإداري الجديد، في محاولة لطمس الحدود القبلية واستبدالها بتقسيمات أحياء ووحدات تتبع لجان الدفاع الشعبي. منطقة كانت أرضًا لآل بوشرم، أجداد أسامة الشرمي، أصبحت في التقسيم الجديد تحمل اسم «حي الزحف الأحمر»، حتى إن جدّ أسامة حين يُسأل: «من أين أنت؟» يجيب: «أنا من الزحف الأحمر».
ثم انتقل المشروع إلى المجتمع. كانت في الأرياف وجاهات اجتماعية وعُقّال يتوارثون المكانة منذ مئات السنين، فرضتهم الحاجة إلى حماية الناس، وإدارة شؤونهم، والإصلاح بينهم. لم يكن وجودهم ترفًا، ولم يحصلوا على مكاسب أو منافع، بل كانوا يتحملون الأعباء نيابة عن الآخرين، ينصفون المظلوم، ويجمعون الناس عند الشدة، ولهذا اكتسبوا احترامًا وثقة راسخة.
لكن الرفاق قرروا «إصلاح» وجاهات جديدة للمجتمع، بديلاً – كما قالوا – عن «وجاهات العهد ال
بائد». فأنشؤوا رئيس حي للجان الدفاع الشعبي ورئيس اللجنة الفلاحية «أفيد»، وربطوا حاجات الناس اليومية بهؤلاء، ليصبح كل شيء يمر عبرهم.
تعامل الناس مع هذه الوجاهات الجديدة كأمر واقع. لكن الصدمة كانت كبيرة؛ يدخلون على أحدهم فيجدونه بلا عمامة، ويمشط شعره بمفرق حاد، والأسوأ أنه «يسجر» ويتلفظ بما يجلب العار. هيئة وسلوك أقرب إلى «ابن سوق» في نظر الناس، فيقارنون ذلك بمشايخهم السابقين الذين لم يُرَ أحدهم يومًا بلا عمامة، ينام والعمامة بجوار رأسه، وما إن يستيقظ حتى يضعها فوقه، بوجه وقور وكلام موزون لا تخرج منه العيبة.
قال الناس: «ماشي مشكلة، بنتكعف مع هذا السوقي لأن حاجتنا عنده»، لكنهم لم يكونوا يكنّون له أي احترام. واستمر هذا الوضع 25 سنة كاملة. وما إن سقط الحزب الاشتراكي في صنعاء عام 1990 حتى تغيّر كل شيء في اليوم التالي مباشرة؛ لم يعد أحد يرد السلام على «صاحب أفيد»، وعاد الناس طوعًا للتعامل مع الوجاهات السابقة، دون أن يفرض ذلك عليهم أحد.
أما «شيخ الزحف الأحمر» وصاحب «أفيد»، فما زالا – إلى اليوم – يتمنّيان لو امتلكا ما يمكّنهما من محو تلك المرحلة من ذاكرة الناس، مرحلة «مشيخة الزحف الأحمر».