هناك حقيقة نكابر أن نعترف بها، رغم أنها واضحة للعيان، لأننا نرى صاحبها عدوا للجنوب لما يحمله من إرث سابق، لكونه أحد أقطاب أسرة احتلت الجنوب وحكمته بالحديد والنار، وآخرها عندما أصبح رأس حربة للحوثيين في غزو عدن وتدميرها. تلك الحقيقة أنه في طريق أن يصير كما صار صقر قريش عبدالرحمن الداخل الأموي، بسبب تشابه الأحداث المأساوية التي عاشوها، وكيفية العودة إلى السلطة في أماكن أخرى بعد حياة التشرد والهروب.*
*الأمير عبدالرحمن بن معاوية بن هشام بن عبدالملك، عند سقوط دولة بني أمية ومقتل أمراء بني أمية على يد العباسيين، هرب هذا الأمير من دمشق واجتاز البراري والبلدان حتى وصل إلى الأندلس وحيدا شريدا، واستطاع أن يؤسس دولته هناك. وكان لقبائل اليمن في الأندلس دورا كبيرا في نجاحه، لذلك أطلق عليه الخليفة أبو جعفر المنصور العباسي لقب صقر قريش.*
*نعم، من سانده ودعمه قبائل اليمن في الأندلس، وهناء الأمر المفاجئ، لأننا عندما نقرأ أسباب سقوط الخلافة الأموية، هو شعور اليمنيين بالظلم الذي لحق بهم من خلفاء بني أمية المتأخرين، وآخرهم الخليفة مروان بن محمد، رغم أنهم هم من كانوا عمود تلك الدولة، وهم أساس تكوينها، فهم دعائمها التي ارتكزت عليهم. ذلك الجور والإقصاء جعل اليمنيين أول المنتقدين والخارجين على تلك الدولة، وسبب رئيسي في سقوطها.*
*كذلك طارق عفاش، جاء طريدا شريدا بعد مقتل عمه الرئيس علي عبدالله صالح، ليس معه حتى جندي واحد، ومع ذلك أسس له دولة في المخاء والساحل العربي، وربما قد تمتد دولته لتشمل جنوب اليمن كله.*
*فعندما يأتي الشخص وحيدا ليس معه أحد، ويدخل في أرض ليس له فيها أحد، بل قد تكون ربما أكثر عداوة له، ومع ذلك يخترق كل شيء ليصل إلى تأسيس قوة ودولة، فهذا يعتبر رجلا فذا، وإن اختلفنا، ومهما كان عدوا.*
*هذا الرجل ممن قاتل مع الحوثيين في عدن، بل كان يمثل القائد العام لغزو عدن والجنوب، وبعد تحرير عدن والجنوب، وبعد فض شراكة عمه علي عبدالله صالح مع الحوثيين وقتله، هرب هذا الشخص وظل مختفيا حتى ظهر بعد ذلك مؤسسا قوة خاصة به ونفوذ واسع لمناطق تحت سيطرته، بمساعدة القوات الجنوبية التي قاتلها من قبل، ليصبح حاكما فعليا للساحل الغربي، وليؤسس مقومات دولة في المخاء والساحل الغربي، وربما قد تمتد سيطرته لتصل إلى مناطق أوسع، إن لم تكن لحكم الناطق المحررة مستقبلا.*
*لا تقل صنعته دول خارجية، لأننا إذا قلنا كذلك، فنحن نخادع أنفسنا، لأنه وإن يكن للشخص دعم خارجي، لكنه لن يستطع إقناع من حاربه وغزاه، ومن ينظروا له بأنه العدو الأول، أن يصبحوا جنودا تحت أمرته، فذلك مستحيل.*
*لذلك قد تجد القادة الميدانيين ورجال الحروب والشجعان الصماصيم بأعداد كبيرة، لكن لن تجد ممن يحمل اسم رجال الدولة إلا بأعداد قليلة، إن لم تكن بعدد لا تتجاوز أصابع اليد، لذلك هؤلاء هم من تقوم عليهم وتوسس بهم الدول، فهل لدينا في الجنوب أمثالهم؟*
*في الأخير، سنأخذ مثالا لليمن بشكل عام وسنسقطه على الجنوب، لكونه الأرض التي لم يختلط أهلها بالغزاة والأقوام الأخرى كعرق يمني نقي. لذلك عندما انقطع نسل الملوك التبابعة، لم يستطع بعدهم اليمانيون من تأسيس دولة ذات قوة وبأس، رغم تشدقهم بذلك، بل سلموا الحكم لامرأة، وبعدها ذهب كل قيل بما تحت يده، وتشتت وتفرقت الأجناد، فحكمها الأحباش ثم الفرس، ولم يعد في اليمن من رجل دولة يعيد الملك لأهلها، بل ظلت أجناد يستصرخها كل صاحب حق للانتصار له. لذلك سنظل كيمنيين، عفوا كجنوبيين، مجرد أجناد يستصرخها المستصرخين للانتصار لهم، وسنظل عسكر لرجال الدولة في كل الأزمان، حتى خروج المهدي المنتظر الذي بشرنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أننا أول عسكره وأجناده كجنوبيين، عذرا كيمنيين.*
*لذلك نحن أخرجنا همدان التي حكم رجالها أيضا في فترات زمنية إلى جانب سادة آل البيت الهاشميين كما أخرجهم حديث المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه عن بني سبأ عندما ساله أحد الصحابة عن سبأ أرجل هو أم أرض أم جبل فقال هو رجل أنجب عشرة رجال ستة منهم بقوا في اليمن وأربعة ذهبوا خارج اليمن فأما من بقي فهم حمير ومذحج وكندة والأشعر والازد وأنمار (وهم خثعم وبجيلة) ولم يذكر فيمن ذكر همدان (مرجع البداية والنهاية لابن كثير).*