آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-09:50م

حصان طروادة يُسحَب من حضرموت: من هو الرابح الحقيقي؟

الخميس - 04 ديسمبر 2025 - الساعة 10:38 ص
غمدان ابواصبع

بقلم: غمدان ابواصبع
- ارشيف الكاتب


يُطرح اليوم سؤال محوري في خضم التحولات العسكرية والسياسية في حضرموت: هل ما جرى كان سقوطًا لآخر قوة محسوبة على الشرعية أم سقوطًا للأوهام التي بُنيت حول شكل الصراع وحدود النفوذ؟ فمنذ استعادة عدن وطرد مليشيات الحوثي ظلت المنطقة العسكرية الأولى محور الصراع الجنوبي ومركز التوتر، ورغم دمج قيادة المجلس الانتقالي في إطار مجلس القيادة الرئاسي، بقيت حضرموت عقدة المشهد وميزان اختبار لمقدار ما يمكن إنتاجه من مشروع وطني خالٍ من الشوائب وقادر على توفير بيئة استقرار. إلا أنّ ذلك لم يكن ممكنًا دون نزع الذرائع التي كانت تُوظف باستمرار لصناعة الأزمات.


المشهد الذي حدث لم يكن مجرد انسحاب عسكري مفاجئ، بل كان مشهدًا دراميًا مُعدًا بذكاء شديد، يحمل بصمة التخطيط السعودي الهادئ والمنظم، ما جعل كثيرين وأنا منهم يقفون أولاً عند حالة استياء أولية تساءلوا فيها عن معنى وجود الشرعية إذا كانت تُسحب من الأرض بهذه الطريقة. لكن إعادة قراءة الأحداث من منظور صحفي ومن زاوية التحليل السياسي الرسمي كشفت أنّ السؤال الحقيقي ليس في الانسحاب بحد ذاته، بل في ما يعنيه هذا الانسحاب، ومن المستفيد منه، وما الذي كانت تخسره الشرعية لو بقي الوضع كما هو.


لقد كان الانسحاب من المنطقة العسكرية الأولى صدمة، ليس لأنه هزيمة عسكرية فلم تحدث مواجهة أصلاً بل لأن حجمه بدا غير منطقي. نتحدث عن منطقة تضم أكثر من اثني عشر لواء عسكريًا، إضافة إلى قوات الأمن والمطار والقصر الجمهوري. ورغم ذلك اختفى الجنود والقيادة في مشهد غامض لم تُطلق فيه رصاصة واحدة. وكان السؤال الملح: هل كان هذا الانسحاب ضروريًا، أم أنه كان خطوة محسوبة ضمن سيناريو أكبر؟


ما تكشف من معطيات يشير إلى أنّ المنطقة العسكرية الأولى كانت بمثابة حصان طروادة الذي استُخدم طيلة سنوات لتبرير صراع سياسي وعسكري في حضرموت بين الشرعية والمجلس الانتقالي. وبخروج هذا الحصان من المعادلة تلاشت الذرائع، وتساوى الطرفان أمام واقع جديد لم يعد يسمح بتحريك ذلك الملف كوقود لابتزاز سياسي أو عسكري.


جوهر المشهد يتضح أكثر عند التوقف أمام تصريحات رئيس الوفد السعودي التي أكدت بقاء بن حبريش وقبائله في مواقع السيطرة على الشركات النفطية، وإخراج كل القوى القادمة من خارج حضرموت، مقابل إحلال قوات درع الوطن المكوّنة من أبناء حضرموت وحلف القبائل. هذه الصياغة التي أنتجتها الدبلوماسية السعودية بذكاء انتزعت من يد كل الأطراف أي مبرر لإشعال صراع جديد، وأزالت من المشهد ما كان يُصنف كقوى إخوانية تابعة لعلي محسن.


لقد أرادت الرياض إغلاق ملف حضرموت نهائيًا بتحويله من ساحة صراع قابلة للاشتعال إلى منطقة محصنة قبليًا واجتماعيًا وعسكريًا بقوى محلية خالصة. وهكذا لم تسقط الشرعية وحدها، ولم ينتصر الآخرون كما يتوهم البعض؛ بل سقطت آخر الأوراق التي كان يجري اللعب بها، وبقي السؤال الأهم: ماذا ستفعل الشرعية والمجلس الانتقالي في مشهد لم يعد يسمح باستخدام حضرموت كساحة لإثبات الوجود أو تمرير الأجندات


إنّ ما جرى هو إعادة ضبط دقيقة لمعادلة القوة، وليس تجريدًا للشرعية من نفوذها كما يبدو على السطح. فحين تُغلق الذرائع وتُحتكر القوة بيد أبناء الأرض، يصبح الخارجون هم من خسروا، ويصبح السؤال هو هل كانت الشرعية تملك فعلاً تلك القوة، أم أنّ ما سقط كان مجرد صورة لا أكثر؟