آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-12:34ص

الركض خلف الجمهورية الزائفة

الخميس - 04 ديسمبر 2025 - الساعة 11:17 ص
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


مأساة الوعي اليمني المفقود منذ اللحظة التي فتحت فيها عيني على هذا العالم، وجدت نفسي أعيش في كنف ما يسمى بالجمهورية. هذا المفهوم كان يتردد في الأحاديث والمناسبات، ويُقدس كأنه قدس الأقداس، لكن حقيقته ظلت غائمة، مجرد شعار يتردد صداه في فراغ الواقع. لقد كبرت وأنا أستوعب فكرة "الجمهورية"، لكن كلما تعمقت التجربة، كلما تبين لي أن هذه الجمهورية ليست سوى بناء هش، هيكل عظمي تتناوب عليه أيادي الأهواء والمصالح الضيقة. إنها جمهورية عجوز، أثقلتها سنوات الهزائم والخذلان، ينهشها أبناؤها قبل أعدائها، وتتوالى عليها الحروب وكأنها طقس سنوي مقدس لا بد منه. السؤال الذي ظل يلح علي منذ وعيي هو: أين هي الجمهورية التي نركض خلف سرابها؟ ولماذا تحولت أرضنا إلى ساحة للصراع الأبدي؟


لقد كان البحث عن "الوطنيين" في خضم هذه الفوضى رحلة شاقة ومحبطة. فكلما ظننت أنني ألمح خيطًا من الأصالة أو الإخلاص للقضية الوطنية، سرعان ما أجد هذا الخيط قد تقطع بيد أحد الفاسدين أو القتلة أو المجرمين الذين تسللوا إلى مفاصل الدولة، مرتدين ثياب الوطنية. بدلاً من بناء دولة مؤسسات تحمي المواطن وتحقق العدالة، تحولت الجمهورية إلى غنيمة يتصارع عليها أمراء الحرب وتجار الدم. يظل المواطن اليمني هو الحلقة الأضعف، المادة الخام التي تُستنزف في كل معركة، وتُنسى في كل هدنة.


تتجلى هذه المأساة بوضوح في الدورة المفرغة للانقلابات والحروب التي مرت بها البلاد. فعندما سقطت صنعاء، وانهارت مؤسسات الدولة الهشة، تعالت الأصوات مبشرة "بعودة الجمهورية" أو "استعادتها". كانت هذه العبارات تستخدم كبخور لإخفاء الرائحة الكريهة للفساد والصراع الداخلي. قيل إن سقوط بعض الجبهات، مثل ما حدث في عمران، هو خطوة نحو "حضن الجمهورية". ولكن ما الذي عاد حقًا؟ هل عاد الأمن؟ هل عادت الكرامة؟ هل عاد الرخاء؟ الإجابة كانت دومًا مدوية بالسلب. تلا ذلك سقوط جبهات أخرى في نهم والجوف وحضرموت، وكل سقوط كان يُغطى بعبارات براقة عن "استعادة الشرعية" أو "العودة إلى المسار الجمهوري".


الحقيقة المؤلمة هي أن الشعب اليمني يعيش في خضم البأس والعناء والفقر والتشرد والضياع، بينما تتردد أصداء انتصارات زائفة عن "عودة الحضن الجمهوري". هذا التناقض الصارخ يكشف أن الجمهورية التي يتحدثون عنها ليست سوى وهم مصمم لإبقاء الشعب في حالة سبات مطيع. إنها وصفة لاستمرار الاستغلال. إنها لعبة سياسية قذرة تُقام على أشلاء الضحايا.


لقد أصبح السؤال الأكثر إيلاماً: هل رأيتم أحدًا يأكل لحم أمة سوى نحن اليمانيون؟ هذا السؤال يعكس مرارة الاستلاب والنهب الممنهج لثروات البلاد ومستقبل أبنائها. القوى التي تدعي تمثيل الجمهورية هي نفسها التي تقف وراء تجويع الشعب وتفتيته. يتم استغلال العواطف الوطنية والدينية لتعبئة الشباب في حروب لا تعود بالنفع إلا على مصادر التمويل والنافذين الجدد. تصبح الوطنية والجمهورية مجرد شعارات وكلمات تُصاغ ببراعة لتكون بمثابة "علف لقطيع من الصوص" ينتظرون الذبح. هذا القطيع هو الشعب الذي يضحي بأفراده من أجل رؤى لم يروا منها إلا الدمار.


إن المشكلة تكمن في غياب تعريف حقيقي وموحد للجمهورية يتبناه الجميع، بعيداً عن التفسيرات المتغيرة حسب مصلحة كل طرف. الجمهورية، في جوهرها، يجب أن تكون تعبيراً عن إرادة الشعب، دولة يسودها القانون والعدل، وتتوزع فيها الثروة والسلطة بإنصاف. لكن ما حدث في اليمن هو تحويل الجمهورية إلى اسم رمزي يُعلّق عليه كل طرف مآسيه ومكاسبه المؤقتة. كانت هناك فرص لإعادة بناء الدولة بعد 2011، لكن هذه الفرص أُجهضت بسبب التنافس الإقليمي والدولي، وتواطؤ النخب الداخلية التي وجدت في الفوضى مرتعًا لنمو نفوذها الفردي.


علاوة على ذلك، فإن استمرار هذا المسار يؤدي إلى تآكل الثقة بالمؤسسات إلى درجة الانعدام. عندما يرى المواطن أن "الجمهورية" تعني المزيد من الضرائب والخدمات المتردية والقتل العشوائي، فمن الطبيعي أن يمل هذا المواطن من الشعارات ويفضل السكوت أو حتى البحث عن ملاذ آمن خارج إطار هذا المفهوم الملوث. هذا اليأس هو أكبر انتصار لأعداء الجمهورية الحقيقيين، أولئك الذين يريدون اليمن ضعيفًا وممزقًا.


للوقوف في وجه هذه الجمهورية الزائفة، لا بد من إعادة تعريف شاملة للمشروع الوطني. يجب أن يبدأ الإصلاح من القاع، من وعي المواطن بأن الجمهورية ليست ما يُعلن عنها في المؤتمرات الصحفية، بل هي ما يعيشه فعليًا في شوارع مدينته. يتطلب الأمر ثورة حقيقية على الفساد، ومحاسبة أولئك الذين استخدموا اسم الجمهورية لتبرير خياناتهم. إن استمرار الركض وراء أشباح الجمهورية القديمة لن يؤدي إلا إلى المزيد من الدماء والدمار. يجب أن تكون الجمهورية القادمة وليدة إجماع وطني حقيقي، لا شعارًا يختبئ خلفه المفسدون. عندها فقط، يمكن للشعب اليمني أن يجد أخيرًا الوطن الذي يستحق أن يضحي لأجله.