آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-12:34ص

تأثير وسائل التواصل الاجتماعي

الأربعاء - 10 ديسمبر 2025 - الساعة 04:03 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


بين تعزيز البناء المجتمعي وتحديات التدهور الأخلاقي لقد شكلت وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الشبكات الاجتماعية ثورة تكنولوجية غير مسبوقة في طبيعة التفاعل البشري، وتحولت من مجرد أدوات اتصال إلى ما يمكن وصفه بتكنولوجيا حية للتواصل بين أبناء المجتمع الواحد. كان الهدف الأسمى من ظهور هذه التقنيات هو خلق فضاء رقمي يسهل نشر الخير، ويرفع المستوى الثقافي والفكري، ويعمل على لم شتات المجتمعات، ويدفع نحو مسؤوليات أخلاقية جماعية تخدم الصالح العام. وفي أفضل صورها، نجحت هذه المنصات في تفعيل دور المواطن، وتسهيل الحوار الحضاري، وتعبئة الجهود لدعم القضايا الاجتماعية والإنسانية.


ومع ذلك، فإن الواقع المعاصر الذي نعيشه يكشف عن تحول مقلق في مسار استخدام هذه الوسائل. فبدلاً من أن تكون منصات للارتقاء والوعي، تحولت في أجزاء واسعة منها إلى ساحات للتنافس المحموم الذي غالباً ما يتم بأخلاقيات لا تمثل القيم السامية للمجتمع الذي ينتمي إليه المستخدمون. إن السعي وراء الشهرة الافتراضية، المتمثل في زيادة عدد المتابعين أو الحصول على الإعجابات، طغى على الهدف الأساسي، مما أدى إلى نشر محتوى لا يرتقي بالمجتمع بل يهدده في تماسكه الأخلاقي والاجتماعي.


إن التنافس السلبي هذا يتجلى بوضوح في انتشار فيديوهات ومنشورات تستهدف السخرية والاستنقاص من الآخرين. هذا النوع من المحتوى، الذي يعتمد على الإثارة الرخيصة والمحتوى الهابط، يجد رواجاً سريعاً لأنه يلبي غرائز المشاهدة السريعة والضحك العابر، متجاوزاً بذلك أي اهتمام بالرسالة البناءة أو الفائدة المعرفية. فالمعيار الذي يحكم نجاح المحتوى لم يعد جودته أو قيمته المضافة، بل قدرته على توليد "الانتشار" بغض النظر عن مصدر هذا الانتشار أو نتائجه الأخلاقية. إن ظاهرة "الترند" أصبحت هي المحرك الأساسي، وغالباً ما تكون هذه الترندات مبنية على الاستقطاب أو التجريح، مما يزيد من حدة الانقسامات المجتمعية بدلاً من تقليلها.


وعندما نتحدث عن دور هذه المنصات في نشر الخير ورفع الوعي، نجد أن التحدي يكمن في أن المحتوى الإيجابي والمحتوى التعليمي غالباً ما يحتاج إلى جهد ووقت أطول لانتشاره مقارنة بالمحتوى المثير للجدل أو السطحي. هذا التفاوت في سرعة الانتشار يخلق "مغريات" للمؤثرين وصناع المحتوى للتحول نحو الأسهل والأسرع ربحاً، أي المحتوى الهابط. فمثلاً، نلاحظ أن الحملات التوعوية الصحية أو البيئية، رغم أهميتها القصوى، قد لا تحقق نفس نسب التفاعل التي تحظى بها مقاطع التحديات غير المجدية أو السخرية الموجهة لبعض الفئات الاجتماعية أو المهنية. هذا يمثل قصوراً مزدوجاً: قصوراً في استخدام التكنولوجيا لتحقيق أهدافها النبيلة، وقصوراً في المنظومة الأخلاقية التي تحكم اختيار الجمهور للمحتوى.


إن المسؤولية الأخلاقية التي يجب أن يتحملها مستخدمو هذه المنصات تتجاوز مجرد الامتناع عن النشر السلبي لتصل إلى التزام نشط بنشر الإيجابية. في مجتمعاتنا التي تسعى إلى التنمية الشاملة، تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي جسراً يمكن أن يعبر عليه الوعي الثقافي من النخبة إلى القاعدة، ومن المركز إلى الأطراف. يمكن استخدام هذه الأدوات لتبادل المعارف التخصصية، ودعم المشاريع الصغيرة، وتسهيل العمل الخيري المنظم. على سبيل المثال، نجحت بعض المبادرات في استخدام منصات مثل تويتر (X حالياً) أو إنستغرام لتنظيم حملات إغاثة سريعة الاستجابة أو لجمع التبرعات للمحتاجين، مما يؤكد القدرة الكامنة لهذه التكنولوجيا على لم الشتات ودعم الترابط الاجتماعي.


لكن المشكلة تكمن في غياب "الحوكمة الذاتية" الفعالة. فالمحاسبة الاجتماعية على المحتوى لا تزال ضعيفة مقارنة بالرغبة في الحصول على المكاسب الآنية. عندما يصبح الاهتمام منصباً على "عدد المتابعات أو الإعجابات"، فإن هذا العدد يتحول إلى عملة اجتماعية وقيمة ذاتية لدى الفرد، ويسعى جاهداً لتعظيمها حتى لو كان الثمن هو تدهور ذوق المجتمع وتراجع مستوى الخطاب العام. هذا السعي الأناني للمجد الرقمي يقوض بشكل مباشر جهود بناء ثقافة مجتمعية قوية ومتماسكة.


للتصدي لهذا الانحراف، يجب إعادة تفعيل مفهوم "المواطنة الرقمية". لا يكفي أن تفرض المنصات قيوداً تقنية أو قانونية فحسب، بل يجب أن يبدأ الإصلاح من الوعي الفردي والجماعي. يجب أن يُدرك كل مستخدم أن الكبسة على زر "المشاركة" هي فعل اجتماعي يحمل تبعات أخلاقية وقانونية أحياناً. إن رفع المستوى الثقافي يتطلب أن يكون الجمهور ناقداً واعياً لا مستهلكاً سلبياً للمادة السطحية.


تبقى وسائل التواصل الاجتماعي تكنولوجيا حية ذات إمكانات هائلة لخدمة المجتمع، سواء في نشر الخير أو تعزيز الوعي. لكنها اليوم تواجه تحدياً وجودياً يتمثل في هيمنة ثقافة الاستهلاك السريع والبحث عن الإثارة الرخيصة على حساب البناء الأخلاقي. إن لم يتدارك صناع المحتوى والمستخدمون هذا التنافس المحموم الذي يهدم ولا يبني، ويتحولوا إلى حملة مسؤولية أخلاقية حقيقية، فإن هذه التكنولوجيا الرائعة ستتحول من جسر للتواصل إلى أداة لتآكل النسيج الاجتماعي والقيمي. استعادة الدور الإيجابي لهذه المنصات تتطلب وعياً مجتمعياً جديداً يعيد تقييم قيمة الإعجاب، ويضع قيمة المبادئ فوق قيمة الشهرة العابرة.