قبضةِ الصقيع
حين ينسجُ الشتاء على الأرضِ رداءَ صمت، وحين تصير الغيومُ كالبطانيات حانية على السهول، ينقسم العالم إلى شطرين: شطر يرى في هذا الفصلِ مِرآةً تُريكَ الفقر والغِنى، وشطر آخر، هو شطر الفقراء والمعذَبين في الأرض، الفقير يراهُ سيفَ صقيعٍ يغرسُ أنيابه في الضلوعِ العارية.
في هذا الكونِ الذي يبدو أحيانا تابوتا.. والأرضُ قَبرًا، يقف وكل عاملٍ فقيرٍ مثله شاهدًا على قسوةِ المشهد.عامل جسد أنهكه الكدح، وزادته عواصف الشتاءِ وهنًا. هو ليسَ من أولئكَ الذين تدفئهم النار في الموقدِ بالدِّفء تَهمِس وتَسعَد. بيت كوخ هش، جدرانُه تتنهد مع كل ريحٍ، والسقف يترقب بوجل كل دمعة شفافة تُلقيها سماء تمشي بِخطْوٍ وَلْهان مُبلَل
فصلُ الشتاءِ عندهُ ليسَ فصلَ الحَنينِ والذِّكرياتِ، بل فصلَ الانكشاف والتعذيب.أمام النفس المهانه مع الفقر
يصحو عامل في صباح كئيب بغيوم الشتاء ،لا يجد حتى كوب شاء ساخن،صباح الأجساد الضعيفه العاريه،والرعد يصفع الجبهه ،والبرق يسرق النظر،وزخات المطر تدغدغ الجسم،يخرج العامل عملهِ الشاق قد يكون في ورشةِ بناءٍ، أو يحمل الأثقال في سوقٍ، أو يقف لساعاتٍ يترقب فرصةَ عملٍ يومية.وتلحق به ألسنه الذئاب
قبلَ أن ينسدلَ الليل، فيجد الصقيع قد مد لسانه البارد ليطال عظامَه، يرتدي ما تبقى من ثياب بالية، لا تكاد تصد ريحًا، بينما البردُ يَغرِس أنيابًا، والرياحُ تتنهد.
إنَّهُ يبحثُ عن شمسٍ صُغرى تدفئهُ، لكنَّها لا تأتي إلا حين يجدُ حطبا! وفي كثيرٍ من الأحيانِ، لا يجد حتى هذا الحطب الرمزي. النار في زواياه وجهُها يتبدد ،تتركُه في مواجهة مباشرةٍ مع ليل صار بحرًا أسوَد لا شاطيء يَبدو ولا سفينة نجاه ،لاغاز لطهي الطعام ولا طعام اصلا لقلة المال،ولا كهرباء نفذ شحن الكارت
هنا تظهرُ حكمةُ الشتاءِ الفلسفيةِ،الشتاءُ مِرآةٌ، تُريكَ الفقر والغِنى. فبينما يحتضن الأغنياءُ دفءَ مواقدِهم، ويستمتعون بجمالية الثلجِ الصوفي النقي الذي يغطي جسدَها الأرضُ، يتقلب الفقير على جمرِ البرد وقسوة الحاجة. المطر بالنسبةِ هموم طويله،و للأغنياء لآلئُ تَجول ، وللفقراءِ تسريب بارد يخترق سقفَ المأوى.اويدخل من الباب لأرض البيت
إنَّ هذا التباينَ يصرخ بأعلى صوت، داعيًا إلى الوصلِ والمغتنى. فالإنسان يُصبح غنيا حقا حين يمد يدَ العونِ في هذا الفصلِ القارسِ، ليشارك الدفء مع من يعيش تحت وطأةِ رعدٍ صوت مُدوي... كالأسد يَزأرُ قبل الصَيد
قد يكونُ الشتاءُ دافئًا في جوهرهِ، فصلَ حنينٍ يجمعُ ما فرّقَ الصيفُ، لكنَّهُ لا يكونُ كذلكَ إلا لمن يجدُ فيهِ حضنًا وملاذًا. أمّا العامل البيسط واهل غزه في الخيام،وأمثالُهُم من الفقراء والمشردين، فقلوبُهم هائمةٌ وغائمة تطاردها أشباح الجوعِ والبردِ، منتظرةً بفارغِ الصبرِ أن تنتظرُ الربيع الذي قد يحمل لهم بعضَ الدفءِ والأملِ.
هانم داود