آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-12:34ص

الجمود المزمن والأزمة اليمنية المستعصية

الأحد - 14 ديسمبر 2025 - الساعة 01:38 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


خمسة عشر عامًا من التيه والضياع يمثل الوضع اليمني اليوم مشهدا مركبا ومعقدا، يشبه متاهة لا مخرج منها، حيث تتشابك العوامل الداخلية والخارجية لتنتج حالة من الجمود المزمن منذ أكثر من خمسة عشر عامًا. إن الحديث عن خمسة عشر عامًا يمتد بنا إلى ما قبل التصعيد الأخير، ليرسم صورة لحالة تدهور تراكمي، تشمل أربعين مليون يمني من كافة الأعمار والأطياف، عجزوا، بالرغم من تحليلهم الدقيق واليومي للأحداث، عن إيجاد مخرج واضح أو فهم كامل لحقيقة ما يجري. هذا العجز لا يقتصر على الشعب وحده، بل يمتد ليشمل الفاعلين الرئيسيين على الساحة، من المجتمع الدولي إلى التحالفات الإقليمية والقوى السياسية المحلية، مما يرسخ حالة من الاستعصاء التام.


لقد فشل المجتمع اليمني، بمختلف مكوناته، في بلورة رؤية موحدة أو استراتيجية قابلة للتطبيق لإنهاء معاناته. يمتلك اليمنيون معرفة عميقة بالتاريخ الاجتماعي والسياسي لبلادهم، وبآثار الصراعات السابقة، لكن هذه المعرفة لم تترجم إلى قدرة فعالة على الفعل الموحد. يتجلى هذا الفشل في تشتت الجهود بين مكونات شعبية واسعة باتت أسيرة لخطابات متناقضة أو مصالح ضيقة، مما جعل عملية التحليل المتقن للواقع تصطدم بجدار العجز عن التنفيذ الفعلي.


على المستوى الإقليمي، تظهر الصورة ضبابية مرتبكة. فالمجتمع الدولي، الذي يفترض فيه أن يكون صمام أمان ومحركًا للحلول، يبدو حائراً وغير مدرك لحقيقة تعقيدات المشهد اليمني. هذا الحيران الدولي نابع جزئياً من صعوبة تحديد الأجندات الحقيقية للجهات المتصارعة، ومن تضارب المصالح بين القوى العالمية والإقليمية التي تدعم أطرافاً مختلفة. إن غياب الإرادة الدولية الموحدة لإلزام الأطراف بمسارات واضحة هو أحد الأسباب الرئيسية لاستمرار الأزمة، حيث يتحول اليمن إلى ساحة لتصفية الحسابات بالوكالة بدلاً من أن يكون موضع اهتمام لحل مستدام.


يزيد الأمر تعقيداً تدخل "التحالف العربي"، الذي دخل المشهد بهدف استعادة الاستقرار، ولكنه سرعان ما وجد نفسه في خضم صراع متداخل الأطراف، حيث "اختلط الحابل بالنابل". هذا التحالف، الذي كان يهدف إلى هدف محدد، أصبح أحياناً يجد صعوبة في التمييز بين الأهداف والاستراتيجيات المتباينة، مما أدى إلى تشتت الجهود وتراجع الفعالية، وفي بعض الأحيان، إلى تداعيات إنسانية أضافت طبقة أخرى من المأساة. هذا التداخل يجعل من الصعب تحديد المسؤولية الواضحة والمسار المستقبلي، مما يعمق الشعور بالضياع لدى المواطن اليمني.


على الصعيد الداخلي، تتسابق الأحزاب السياسية على "الموائد"، وهي إشارة واضحة إلى الاستغلال المفرط للأزمة لتحقيق مكاسب فئوية أو حزبية، بدلاً من الانخراط الجاد في بناء دولة أو التوصل إلى توافق وطني. هذا التنافس المحموم على النفوذ والموارد يمثل استنزافاً إضافياً للطاقة الوطنية، ويحول دون بناء جسور الثقة الضرورية لأي عملية سلام مستدامة. بدلاً من العمل ككتلة سياسية موحدة تواجه التحديات الكبرى، تحولت القوى السياسية إلى قوى تفتيت تسعى للحفاظ على ما يمكن أخذه من فتات السلطة أو الثروة.


وتتجلى الكارثة الأبرز في انتشار المليشيات في طول البلاد وعرضها. هذه القوى المسلحة، التي نشأت وتضخمت في فراغ السلطة أو بتشجيع من أطراف خارجية، باتت تمثل واقعاً أمراً يصعب تفكيكه. إن سيطرة هذه المليشيات على مناطق واسعة، وفرضها لسلطتها بقوة السلاح، يمثل تحدياً وجودياً أمام أي محاولة لإعادة بناء الدولة أو بسط القانون. إنهم يمثلون طبقة مستفيدة من الحرب، وغالباً ما تقاوم أي حلول سلمية قد تجردها من امتيازاتها. السؤال المطروح هو "إلى متى" ستبقى هذه القوى هي الحاكمة الفعلية في ظل ضعف مؤسسات الدولة الشرعية المتبقية.


إن التقييم الموضوعي للحالة اليمنية يشير إلى أن الأزمة ليست مجرد صراع عسكري، بل هي فشل مركب في إدارة الدولة، وتنازع على الهوية، وتدخلات إقليمية أطالت أمد الحرب. إن استمرار هذا الوضع يعني استمرار معاناة أربعين مليون يمني، وتحويل اليمن إلى دولة فاشلة بشكل دائم، وهو ما يهدد الأمن الإقليمي والدولي.


لا يمكن تجاوز هذه المرحلة المعقدة إلا بتغيير جذري في سلوك جميع الأطراف. يتطلب الحل تضافر جهود داخلية لإعادة بناء الثقة والتوافق حول مشروع وطني جامع، يضع مصلحة الدولة فوق المصلحة الفئوية، ويلتزم بإنهاء النفوذ العسكري للميليشيات. وفي المقابل، يجب على المجتمع الدولي أن ينتقل من حالة الحيرة إلى فرض إطار تنفيذي ملزم لإنهاء الحرب، والضغط على جميع الأطراف للانخراط الجاد في عملية سياسية شفافة وشاملة. إن استمرار "الجمود المزمن" يعني استمرار المأساة الإنسانية والاقتصادية التي لا ترحم. إن اليمن اليوم بحاجة إلى رؤية جديدة تتجاوز الإحباط المتراكم لخمسة عشر عاماً من التيه السياسي والعسكري.