آخر تحديث :الأحد-22 فبراير 2026-02:46ص

قصة نرجس محمدي: بين فيزياء النور وعتمة السجون ..

الخميس - 18 ديسمبر 2025 - الساعة 11:30 ص
هانم داود

بقلم: هانم داود
- ارشيف الكاتب



في مدينة زنجان، حيث تولد الرياح باردة، ولدت "نرجس". لم تكن طفلة عادية؛ كانت عيناها تبحثان دائماً عن التفسير. في جامعة "الإمام الخميني"، لم تكتفِ بدراسة الفيزياء ومعادلات المادة، بل كانت تبحث عن "فيزياء الحرية".


كانت نرجس تعشق الجبال، تحب الشعور بأنها فوق القمم حيث لا حدود للنظر. لكنها سرعان ما اكتشفت أن الصعود في بلادها له ضريبة. حين مُنعت من الانضمام لمجموعة تسلق الجبال بسبب مقالاتها في الصحيفة الطلابية، أدركت الحقيقة الأولى: (إنهم لا يخشون جسدي الذي يتسلق الصخر، بل يخشون عقلي الذي يتسلق جدران الصمت).


شريكة الحلم والوجع

في عام 1999، التقت بـ "تقي رحماني". لم يكن زواجاً تقليدياً، بل كان تحالفاً بين قلمين وعقيدتين من أجل الإصلاح. دخل تقي السجن بعد وقت قصير من زفافهما، لتبدأ نرجس رحلة طويلة من الانتظار أمام بوابات السجون.

رزقا بالتوأم "علي" و"كيانا"، لكن الأقدار كانت قاسية. غادر تقي إلى فرنسا في 2012 ليبقى حياً من أجل أطفاله، وبقيت نرجس في إيران لتبقى صوتاً لمن لا صوت لهم. كان أصعب قراراتها هو البعد عن طفليها، لكنها كانت تردد دائماً: (الأمومة ليست فقط أن أحضن أطفالي، بل أن أصنع لهم وطناً يستحق أن يعيشوا فيه).


خطاب تحت المطر

تتلاحق السنوات، وتصبح نرجس نائبة "شيرين عبادي" في مركز المدافعين عن حقوق الإنسان. وفي عام 2014، وقفت نرجس أمام قبر "ستار بهشتي"، الشاب الذي قُتل تحت التعذيب.

بصوت يرتجف قوةً، سألت البرلمانيين:-أين كنتم حين قُتل إنسان بريء؟

. ذلك الخطاب كان الشرارة التي أعادتها إلى غياهب سجن "إيفين". هناك، حيث أكل المرض من جسدها وأصابها الصرع، وحيث فقدت السيطرة على عضلاتها، لكنها لم تفقد يوماً السيطرة على إرادتها.


نوبل خلف القضبان

10 ديسمبر 2023. القاعة الكبرى في أوسلو تضج بالتصفيق. صورة نرجس تملأ الشاشات، لكن مقعدها فارغ. كانت نرجس في تلك اللحظة تجلس على برشة السجن الباردة، تسمع صدى الجائزة في قلوب السجينات حولها.

سُرّبت رسالتها للخارج:-سأواصل النضال حتى لو كان الثمن حياتي .

لم تكن الجائزة بالنسبة لها نهاية المطاف، بل كانت وقوداً جديداً لمعركة (المرأة، الحياة، الحرية) التي اشتعلت بعد رحيل مهسا أميني.


في ديسمبر 2024، خرجت نرجس في إفراج طبي مؤقت. كان جسدها نحيلاً لكن روحها كانت محلقة. توجهت إلى "مشهد" لتأبين المحامي "خسرو علي كوردي".

هناك، انقضّت عليها "الغربان السود" كما وصفتهم التقارير. خمسة عشر رجلاً بملابس مدنية، شدوها من شعرها، ضربوا ساقيها بالهراوات. وفي زنزانة التحقيق، وجهوا لها التهمة المعتادة: التعاون مع إسرائيل.

ضحكت نرجس بمرارة وهي تُجر إلى المشفى للمرة الثانية: -اتهاماتكم قديمة، لكن عزيمتي تتجدد مع كل ضربة سوط

. تهديدهم لها بأن "والدتها ستندبها" لم يزدها إلا إصراراً.


الضوء لا يُسجن

اليوم، تقبع نرجس محمدي في زنزانة مظلمة، لكن قصتها أصبحت تدرّس في المحافل الدولية. لقد أثبتت الفيزيائية التي لم تستطع تسلق الجبال في شبابها، أنها استطاعت تسلق قمة الإنسانية، وأصبحت هي "الجبل" الذي تتحطم عليه أمواج الظلم.

نرجس ليست مجرد سجينة؛ إنها الفكرة التي لا تموت، والصوت الذي كلما حاولوا خنقه، تردد صداه في أروقة "نوبل" وشوارع طهران.