آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-12:37ص

السيادة الوطنية مفتاح لمستقبل اليمن

الإثنين - 22 ديسمبر 2025 - الساعة 03:49 م
صخر الخطيب

بقلم: صخر الخطيب
- ارشيف الكاتب


بين حق تقرير المصير والوصاية الدولية إن القضية اليمنية الراهنة تمثل حالة معقدة ومتشابكة تتجاوز الصراعات الداخلية لتلامس جوهر السيادة الوطنية والاستقلال في مواجهة التدخلات الخارجية والقيود الدولية. تتمحور النقاشات الحالية حول حق تقرير المصير لأبناء الجنوب الراغبين في الانفصال، وحق أبناء الشمال في بناء كيانهم المستقل، وهي مطالبات مشروعة في سياق بناء الدولة الحديثة. ومع ذلك، فإن الواقع العملي يفرض تحديًا أكثر إلحاحًا وأهمية، يتمثل في حقيقة أن اليمن، بكافة أطيافه ومناطقه، يخضع فعليًا تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة وما يتبعه من وصاية دولية مفروضة أو ضمنية. هذا الوضع الحرج يجعل أي نقاش حول الوحدة أو الانفصال مجرد طرح نظري ما لم يتم أولًا استعادة القرار الوطني المسلوب.


إن المطالبة بالانفصال حق أصيل لشعب الجنوب، كما أن طموح أهل الشمال في التمتع بدولتهم العادلة هو حق لا يقل أهمية. لكن المفارقة العجيبة التي تعيشها اليمن اليوم هي أن هذا الحق في تقرير المصير معلّق بقرار القوى الخارجية وصنّاع السلام الدوليين. إن وجود اليمن تحت البند السابع يعني أن القرارات المصيرية المتعلقة بالسيادة، الحدود، والمستقبل السياسي هي في نهاية المطاف مرهونة بموافقات مجلس الأمن والمبعوثين الدوليين. إن أي فصيل أو كيان، سواء كان جنوبيًا أو شماليًا، يخطط لاتخاذ قرار حاسم دون استعادة هذا القرار الوطني من يد الوصاية الدولية، محكوم عليه بالفشل أو بالخضوع لواقع جديد من التبعية السياسية.


الوصاية الدولية، التي غالبًا ما تكون مبررة بالحاجة إلى حفظ السلم والأمن أو إدارة الأزمة الإنسانية، تتحول في سياق اليمن إلى قيد يمنع التوصل إلى حل وطني أصيل. فالمجتمع الدولي، من خلال آلياته، يمتلك القدرة على تجميد أي مسار لا يتماشى مع مصالحه الاستراتيجية في المنطقة، مما يقلل من قيمة أي اتفاقيات داخلية قد تُبرم. هذا الوضع يشبه إعطاء رخصة قيادة لشخصين يتنازعان على مقود سيارة بينما المفتاح الحقيقي يملكه شخص ثالث غائب لا يهمه سوى سلامة السيارة، وليس وجهة الركاب.


لذلك، يجب أن يتفق كافة اليمنيين على أن الأولوية المطلقة هي استعادة السيادة الوطنية. هذا الاستعادة لا تعني بالضرورة نبذ جميع المبادرات الدولية، بل تعني وضعها في إطارها الصحيح كأدوات مساعدة وليس كقيود حاكمة. استعادة القرار تعني القدرة على التفاوض من موقع القوة والشرعية الذاتية، وليس من موقع الضعف والاعتماد على المنح الدولية المؤقتة. لا يمكن لأي وحدة أن تستمر بعمق وشرعية، ولا يمكن لأي انفصال أن يُبنى على أسس متينة، ما لم يكن نابعًا من إرادة وطنية خالصة وغير خاضعة للابتزاز السياسي الدولي.


إن اللحظة الراهنة التي يمر بها اليمن هي لحظة تاريخية حاسمة. هناك جبهتان رئيسيتان يجب التعامل معهما بالتوازي. الجبهة الأولى والأكثر إلحاحًا هي مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في سيطرة جماعة الحوثي التي تنفذ أجندة خارجية وتعمل على تدمير مؤسسات الدولة المركزية، وبالتالي تقويض أي فرصة مستقبلية سواء للوحدة أو للانفصال المشروعين. طالما بقي جزء من التراب اليمني تحت سلطة ترفض الشرعية الوطنية المعترف بها دوليًا وتستخدم القوة لفرض رؤيتها، فإن السيادة تظل منقوصة.


الجبهة الثانية، وهي استعادة القرار المسلوب، تتطلب تحالفًا وطنيًا شاملًا يتجاوز الانقسامات المناطقية والجهوية. يجب أن يتفق الجميع، من أبناء الجنوب الساعين للانفصال، وأبناء الشمال الراغبين في بناء دولتهم، على أن العدو الأول لآمالهم هو فقدان الاستقلال في اتخاذ القرار. استعادة القرار تعني تفعيل المؤسسات الوطنية الشرعية المعترف بها، والعمل على إخراج اليمن من إطار البند السابع، وهو ما يتطلب تفاهمًا عميقًا حول كيفية إدارة التنوع والاختلافات بعد تحرير الأرض واستعادة القدرة على صياغة العقود الاجتماعية والسياسية داخليًا.


تتطلب هذه الاستعادة تضحيات سياسية وتنازلات تكتيكية بين مختلف الأطراف اليمنية. يجب أن يُنظر إلى النضال ضد الحوثي كهدف استراتيجي جامع يسبق الخلافات النهائية حول شكل الدولة. فالتاريخ يقدم لنا أمثلة عديدة لدول نجحت في استعادة سيادتها الوطنية أولًا، ثم شرعت في بناء كياناتها السياسية الجديدة عبر حوارات وطنية واسعة، بينما الدول التي حاولت فرض التقسيم أو الوحدة تحت ضغوط خارجية انتهت إما بتفتيت أو تبعية دائمة.


إن الحديث عن حقوق الجنوبيين في الانفصال وحق الشماليين في البناء هو حديث مشروع وضروري، لكنه يظل ثانويًا أمام حقيقة الوصاية الدولية التي تعطل حق اليمنيين في تحديد مصيرهم. إن اللحظة التاريخية تدعونا إلى توحيد الجهود لاستعادة الوطن من جماعات ترفض الدولة المدنية والمؤسسية، والأهم من ذلك، استعادة القرار المسلوب من المجتمع الدولي الذي يراقب ويدير الصراع بدلاً من أن يسمح لليمنيين بحل مشكلاتهم بأنفسهم. لا وحدة مستدامة ولا انفصال مقبول سيتحقق ما لم يتم وضع السيادة الوطنية فوق كل اعتبار، وهذا هو المدخل الوحيد نحو مستقبل يمني يختاره اليمنيون بأنفسهم.