في لحظة تاريخية شديدة التعقيد، يقف البنك المركزي اليمني في قلب معادلة سياسية واقتصادية غير مسبوقة، تتجاوز في تعقيدها مجرد الانقسام القائم منذ سنوات، لتدخل طورًا جديدًا من التصدع داخل معسكر “الشرعية” ذاته، وهو ما يجعل من مسألة الاستقلالية والحياد شرط أساسي لبقاء للدولة، وللاقتصاد، وللمجتمع.
منذ نقل مقر البنك المركزي إلى عدن في عام 2016، أُوكلت إليه مهام جسيمة في بيئة استثنائية: حرب مفتوحة، اقتصاد منهك، موارد شحيحة، وانقسام نقدي ومالي حاد بين سلطتين فعليتين، سلطة معترف بها دوليًا وأخرى انقلابية؛ ومع ذلك، ظل البنك المركزي – رغم كل الضغوط – آخر ما تبقى من رمزية الدولة الواحدة، وأحد الأعمدة القليلة التي لا يزال المجتمع الدولي يتعامل معها بوصفها مؤسسة سيادية جامعة.
غير أن المشهد اليوم لم يعد مقتصرًا على ثنائية “شرعية مقابل حوثي”؛ التطورات الأخيرة، خصوصًا التحركات العسكرية والسياسية التي يقودها المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظات حضرموت والمهرة، وما رافقها من تأزم واضح في علاقته بكلٍ من المملكة العربية السعودية والحكومة المعترف بها دوليًا، ثم خروج رئيس مجلس القيادة الرئاسي من البلاد إلى السعودية، وتضارب البيانات الصادرة عن مكونات السلطة، كل ذلك أعاد طرح السؤال من جديد، ولكن هذه المرة من زاوية أخطر: ماذا لو تفككت “الشرعية” نفسها؟ وأين يقف البنك المركزي حينها؟
إن خطورة هذه المرحلة لا تكمن فقط في الصراع السياسي، بل في محاولات الزج بالمؤسسات الاقتصادية – وعلى رأسها البنك المركزي – في قلب هذا الصراع؛ فحين تبدأ الأطراف المنضوية تحت الشرعية بالنظر إلى البنك كغنيمة نفوذ، أو كأداة ضغط، أو كمصدر تمويل سياسي، فإن ذلك يهدد بانهيار آخر جدار يفصل بين الدولة واللا دولة؛ هنا، تصبح الاستقلالية ليست موقفًا قانونيًا فحسب، بل موقفًا وطنيًا وأخلاقيًا.
ويجب التمييز بوضوح، وبدون مواربة، بين طبيعة التعامل مع جماعة الحوثي وطبيعة التعامل مع الأطراف الأخرى داخل الشرعية؛ فالحوثي سلطة انقلابية خارج الإطار الدستوري والقانوني، ويتطلب التعامل معه – من منظور الدولة – سياسات ردع ومواجهة وعدم حياد في الملفات السيادية، بما فيها السياسة النقدية؛ أما الأطراف المنضوية تحت الشرعية، مهما بلغ خلافها السياسي، فهي – نظريًا – أطراف داخل الإطار الجمهوري، وبالتالي فإن البنك المركزي ملزم قانونًا وأخلاقيًا بالحياد تجاهها، لا بالانحياز لهذا الطرف أو ذاك.
الحياد هنا لا يعني السلبية أو التراخي، بل يعني الالتزام الصارم بالقانون، وبالمعايير المهنية، وبوظيفة البنك الأساسية: إدارة السياسة النقدية، حماية النظام المصرفي، ضمان استقرار العملة، وتأمين انسيابية التمويل والاستيراد، بعيدًا عن منطق الاصطفاف السياسي؛ أي تدخل من أي طرف في أعمال البنك، أو محاولة فرض قرارات عليه خارج أطره المؤسسية، هو في جوهره اعتداء على ما تبقى من الدولة.
في هذا السياق، تبرز أهمية الدفع المنتظم للمرتبات، ليس بوصفه ملفًا ماليًا فقط، بل كقضية استقرار اجتماعي وسياسي؛ فالراتب هو صمام الأمان الأخير لملايين الأسر، وأي تسييس لهذا الملف أو استخدامه كورقة ابتزاز سياسي يفتح الباب أمام انفجار اجتماعي لا يمكن احتواؤه؛ كما أن توريد الإيرادات إلى الحسابات الرسمية للبنك المركزي، واستكمال ما تبقى من خطة الإصلاحات المالية والنقدية التي بدأت الحكومة العمل عليها، يمثل شرطًا لا غنى عنه لاستعادة الحد الأدنى من التوازن الاقتصادي.
في خضم هذه العواصف المحلية، برزت المواقف الدولية الأخيرة كـ "طوق نجاة" يدعم مهنية واستقلالية البنك المركزي؛ فقد جاءت تصريحات سفراء بريطانيا، فرنسا، ألمانيا، هولندا، والاتحاد الأوروبي قبل يومين، لتؤكد بوضوح أن استقرار اليمن مرتبط عضوياً باستقلال بنكه المركزي؛ كما أن الإشادات الدولية بجهود المحافظ أحمد غالب المعبقي، رغم الظروف الاستثنائية، تعكس تقديرًا دوليًا لدور القيادة الحالية في محاولة الحفاظ على التوازن وسط العاصفة.
هذا الدعم الدولي يمنح البنك "الحصانة السياسية" اللازمة لمواجهة الضغوط؛ فالتزام بريطانيا ودول الاتحاد الأوروبي بوحدة اليمن وسيادته، وتركيزهم على الدور المحوري للبنك في إدارة السياسة النقدية، يعزز من مكانة البنك كطرف موثوق به أمام النظام المالي العالمي، مما يضمن استمرارية التعاملات المالية وانسيابية الواردات الضرورية للمواطنين.
إن اجتماعات مجلس إدارة البنك المركزي الأخيرة، وما ناقشته من تطورات مالية واقتصادية، وموازنات، واحتياطيات، وخطط للعام 2026، وإعادة هيكلة المعهد المصرفي، وتفعيل لجان المراجعة والمناقصات، كلها مؤشرات على أن البنك – رغم كل شيء – لا يزال يعمل بمنطق المؤسسة، لا بمنطق رد الفعل السياسي؛ وهذه نقطة قوة يجب حمايتها، لا استهدافها.
نخلص من ذلك، أن البنك المركزي اليمني اليوم ليس مجرد مؤسسة نقدية، بل هو خط الدفاع الأخير عن فكرة الدولة الواحدة في زمن التصدع؛ حياده تجاه أطراف الشرعية، واستقلاله عن ضغوطها، وعدم انجراره إلى صراعاتها، هو ما يميّزه عن سلطات الأمر الواقع، وهو ما يمنحه شرعيته الحقيقية في الداخل والخارج؛ وإذا سقط هذا الحياد، فلن يسقط معه البنك فقط، بل سيسقط ما تبقى من الاقتصاد، وربما ما تبقى من اليمن ذاته.