يظل السؤال الجوهري في أدبيات السياسة هو: "من يحكم؟"، وهو سؤال لا يبحث عن أسماء بقدر ما يبحث عن الجهة المخولة فعلياً وقانونياً بقيادة السلطة وتطبيق إرادتها. اليوم، وفي خضم الصراع اليمني المحتدم، تبرز لنا فلسفة الدكتور رشاد العليمي في إدارة المشهد السياسي؛ وهي فلسفة تقوم على "الاحتفاظ برمزية السلطة" دون ممارسة أدواتها، من خلال عدم تطبيق القانون على من يتمردون على الشرعية الدستورية.
إن هذه الفلسفة -سواء كانت بقصد أو بغير قصد- تبدو متأثرة بجذور الفكر الفوضوي وبعض القراءات الماركسية التي تدعو، في غاياتها البعيدة، إلى تهميش دور القانون المؤسسي لصالح توازنات القوى. هذا النهج أدى بالضرورة إلى غياب الإجراءات الحاسمة حيال القضايا المصيرية، مما جعل الشرعية تترنح في موقف مهزوز؛ تارة تحاول الوقوف، وتارة تشرف على السقوط.
هذا "الترنح" السياسي لم يكن بلا ثمن، فقد استغلته الأطراف التي تستمد مشروعية وجودها من مظلة "العليمي" نفسه، لتمضي قدماً في تنفيذ مخططاتها الانفصالية. لقد أصبحنا أمام مشهد سريالي: قوى تعمل تحت غطاء الشرعية لتقويضها، مستفيدة من غياب "راعي الشرعية" وتخليه غير المبرر عن ممارسة صلاحياته السيادية.
إن الهروب نحو تسويات سياسية غامضة لن يؤدي إلا إلى تعقيد المشهد ومضاعفة الأزمة، ما لم تكن هناك مشاركة حقيقية وشاملة لكل القوى والفئات الاجتماعية (لا سيما في الجنوب) في صياغة هذه التسوية. فلا يمكن بناء سلام مستدام على قاعدة الإقصاء أو الصمت عن التجاوزات.
ومن هنا، نوجه الخطاب مباشرة للدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، لنضعه أمام مسؤوليته التاريخية: هل تؤمن يا سيادة الرئيس بضرورة استعادة هيبة الدولة وبسط نفوذ مؤسساتها لتؤدي وظائفها الحقيقية تجاه الشعب؟ أم أنك اخترت حصر سلطتك في الأداء السياسي الشكلي وإدارة التوازنات الهشة؟
إن الزمن يمضي، والسؤال الذي سيجيب عليه التاريخ هو: هل تسير بهذا الوطن وفق حركة "حتمية" فرضتها الأجندات الخارجية، أم أن لديك "إرادة" وطنية حرة قادرة على لجم الفوضى واستعادة المسار؟