آخر تحديث :الخميس-01 يناير 2026-09:16م

الجنوب يطوي صفحة الفوضى ،والحوثي يصبح الهدف بلا مواربة.

الخميس - 01 يناير 2026 - الساعة 06:44 م
غمدان ابواصبع

بقلم: غمدان ابواصبع
- ارشيف الكاتب


لم يكن خطاب عيدروس الزبيدي عن انتهاء زمن المعارك الجانبية” مجرد تهدئة لشارع قلق، ولا محاولة لامتصاص حملة شائعات ممنهجة. كان خطابًا يشبه وضع حجر ثقيل فوق باب ظل مفتوحًا لسنوات طويلة؛ باب الفوضى الجنوبية التي استهلكت الجهد، وأهدرت الانتصارات، وسمحت للحوثي أن يلتقط أنفاسه كلما تعثر خصومه في صراعاتهم الصغيرة.


الزبيدي قال بكلمات قليلة ما حاول آخرون إخفاءه إن الجنوب لم يعد ساحة لتجارب الفصائل ولا ملعبًا لحروب الاستنزاف الداخلية. هذه الصفحة أُغلقت، وربما إلى الأبد. والرسالة لم تكن موجهة للشارع الجنوبي فقط، بل لأولئك الذين ظلوا يلوّحون بفكرة “انفجار داخلي وشيك في محاولة لتقليص نفوذ الانتقالي أو ضرب صورته كقوة مستقرة. جاء الخطاب ليقول إن هذه التكهنات انتهت، وإن زمن اللعب في المساحات الرمادية انتهى معها.


لكن الأكثر لفتًا هو عودة الزبيدي إلى ذاكرة الضالع، المحافظة التي تحررت بقوة رجالها قبل أن ينزل التحالف بثقله العسكري. هذا الاستدعاء لم يكن حنينًا إلى الماضي، بل تذكيرًا بأن الجنوب لم ينتصر يومًا بالصدفة، بل بالانضباط والقرار الواضح. الرسالة هنا أن المجلس الانتقالي يمتلك القدرة نفسها وربما أكبر على خوض معارك تتجاوز حدوده الجغرافية، وأن انتقاله من قوة دفاعية إلى قوة مبادرة” ليس قفزة في المجهول، بل نتيجة خبرة تراكمت على مدى سنوات.


ووسط هذا الخطاب، تبرز البيضاء بوصفها بوابة. ليست بوابة جغرافية فقط، بل بوابة سياسية أيضًا. الحديث عنها في هذا التوقيت يوحي بأن الانتقالي لا يفكر في الجنوب وحده، بل في شكل المعادلة اليمنية كلها. فالبيضاء نقطة تماس حساسة، وخاصرة رخوة للحوثي، وطريق مفتوحة نحو عمق صنعاء. من يضع قدمه هناك لا يعلن موقفًا تكتيكيًا، بل يعلن نية المشاركة في تحديد شكل النهاية.


المشهد الإقليمي أيضًا يفسّر الكثير. التحالف يعيد ترتيب أوراقه، والسعودية تغيّر مقاربتها، والإمارات تحسب تأثيراتها، والولايات المتحدة ترسم سقف الحل النهائي. في وسط هذا كله، يدرك الانتقالي أن الفرصة سانحة ليظهر كقوة مسؤولة قادرة على تقديم ما عجز عنه آخرون الاستقرار جنوبًا، والمساهمة في إضعاف الحوثي شمالًا. ومع هذا الإدراك، يصبح خطاب انتهاء المعارك الجانبية إعلانًا عن نضج سياسي قبل أن يكون إعلانًا عسكريًا.


في خلاصته، الخطاب ليس رسالة تهدئة، ولا مجاملة للشارع، ولا تكتيكًا عابرًا. إنه تحول في طريقة تفكير الجنوب ذاته. الجنوب الذي كان غارقًا في معارك صغيرة، أصبح اليوم يحدق نحو صنعاء بلا تردد. الجنوب الذي كان منشغلًا بمن يسيطر على نقطة أو معسكر، أصبح اليوم يتحدث عن “المعركة الوطنية الكبرى


ما قاله الزبيدي ليس نهاية فصل بل بداية فصل جديد. فصلٌ قد لا يرضي كثيرين ممن استفادوا لعقود من الفوضى، لكنه بالنسبة للجنوب رسالة واضحة: لقد حان وقت الهدف الكبير، والحوثي لم يعد خصمًا بعيدًا بل العنوان الوحيد للمعركة القادمة.