بدون شك بأن السعودية قد اصبحت اليوم هي من تتحمل كامل المسئولية تجاه اليمن ، وذلك بعد القرارات الاخيرة الصادرة من العليمي والقاضية بخروج الإمارات من التحالف العربي ودعوتها لمغادرة الأراضي اليمنية وسحب قواتها خلال 48 ساعة ، ولا يخفى على أحد بأن تلك القرارات جاءت استجابة لرغبة السعودبة التي شعرت بفقدانها لحضورها وتأثيرها في المشهد السياسي اليمني ، بعد ان تمكنت قوات الانتقالي الموالية للإمارات من السيطرة على معظم مناطق جنوب وشرق اليمن ، وبدون شك بأن استجابة الإمارات لتلك القرارات وموافقتها على الاتسحاب الكامل ، يضع السعودية في موقف لا تحسد عليه ، ويجعلها تقف أمام خيارين لا ثالث لهما ، إما السير قدما في مواجهة القوات الجنوبية بكل تشكيلاتها والتي يزيد تعدادها عن 200 الف مقاتل ، والتي باتت تسيطر على معظم الجغرافيا في جنوب وشرق اليمن ، والتي تقدر مساحتها بأكثر من 350 الف كيلو متر مربع ، من خلال اعتمادها على قوات تم تدريبها في السعودية وهي قوات درع الوطن وقوات الطوارئ وما تبقى من قوات المنطقة العسكرية الأولى التي انسحبت من حضرموت والمهرة والتي يقدر تعدادها جميعا بحوالي 30 الف مقاتل ، ويتم تجميعها في منطقة العبر الحدودية بين اليمن والسعودبة ..!!
ويبدو ان فارق عدد القوات يصب في مصلحة القوات الجنوبية ، ولكن اذا ما قررت السعودية خيار المواجهة فإنها بدون شك تعول على استفرادها وتفوقها الجوي لتعديل ميزان القوة والتفوق لصالحها ولصالح حلفائها على الأرض ، ولكن التجارب الميدانية اثبتت بأن الاعتماد على التفوق الجوي دون وجود القوات الكافية والمدربة على الارض لا يؤثر بشكل كبير في مجريات المعركة ( حرب السعودية والتحالف ضد قوات صنعاء إنموذجا ) ، وبدون شك بأن هذا الأمر سوف يكون له دور في جعل السعودية تفكر كثيرا وتتردد كثيرا في السير قدما في خيار المواجهة ، فالمعركة غير مضمونة من الناحية الميدانية والعسكرية ، كما أنها غير مستعدة لخوض حرب جديدة في اليمن من أجل سواد عيون شرعية مهترئة ومتهالكة ينخرها الفساد في كل مفاصلها ، ويلاحقها الفشل والهزائم في كل المعارك والمواقف ، ولكن قد تغريها حقول النفط والغاز المنتشرة في مناطق وصحاري حضرموت وشبوة ، وكذلك قد تقبل بالتضحية والمغامرة في سبيل تحقيق حلمها الاستراتيجي والمتمثل في مد خط انابيب لنفطها عبر مناطق شرق اليمن وصولا إلى السواحل اليمنية على المحيط الهندي ، كما أنها ترى بأن حضرموت بالذات عمق استراتيجي وحيوي بالنسبة لها ، كل ذلك قد يدفع بالسعودية إلى خيار المواجهة العسكرية بغض النظر عن النتائج والتضحيات والتكاليف ..!!
ولكن لا تزال هناك معضلة كبيرة تقف عائق أمام خيار المواجهة ويتمثل في عدم حصول السعودية على ضوء أخضر دولي لخوض تلك المواجهة ، وعدم حصولها على دعم أمريكي فالموقف الامريكي واضح حيال ذلك فهو يدعوا إلى التهدئة وضبط النفس بخصوص ما يحدث في جنوب وشرق اليمن ، جل ذلك يجعل خيار المواجهة محفوف بالمخاطر من جميع الجهات وقد تكون له نتائج لا يحمد عقباها ، ولكن لا يستبعد بأن هناك من يسعى لدفع السعودية لفخ التدخل العسكري في جنوب وشرق اليمن ، كما حدث للرئيس العراقي صدام حسين عند دخوله الكويت ، فصدام كان يرى بأن الكويت عمق استراتيجي للعراق ، وهو ما دفعه لتلك المغامرة غير محسوبة العواقب ، فهل حان الوقت لدفع السعودية لفخ السيطرة على حضرموت وما جاورها ، خصوصا بعد انهيار تحالف دعم الشرعية الذي كانت تقوده ضد قوات صنعاء ، وعدم امتلاكها تفويض من مجلس الأمن ، وفي ظل الموقف الامريكي الرافض للعمل العسكري ضد قوات المجلس الانتقالي الجنوبي الذي ترى امريكا فيه حليفاً لها لمكافحة الإرهاب ، وبحسب كل المعطيات على الأرض فأن خيار المواجهة العسكرية ليس في مصلحة السعودية ، وسوف يترتب عليه نتائج قد لا يحمد عقباها على المدى القصير والمتوسط ، وليس من الحكمة والعقل والسياسة الدخول في مغامرة محفوفة بالمخاطر ، لكن كل شيء وارد في عالم السياسة وفي عالم المخططات الدولية ، فما دفع بصدام حسين لدخول الكويت قد يدفع بالسعودية لخوض مواجهة عسكرية ضد قوات الانتقالي واحكام السيطرة على منابع النفط والغاز في اليمن ، ولكن على قيادة السعودية الاستعداد لمواجهة نتائج مغامرتهم تلك غير محسوبة العواقب ..!!
ويظل الخيار الثاني أمام النظام السعودي هو الافضل والاقل تكلفة والاقل خطوره ، وهو خيار احتواء كل التشكيلات العسكرية الجنوبية من خلال الحوار والدبلوماسية ، فاحتواء هذه القوات ومن يقف خلفها من أبناء الجنوب مكسب سياسي واستراتيجي للسعودية ، سوف يساهم في حماية حدودها الجنوبية ، فإذا كانت السياسة السعودية قد فشلت في ايجاد حلفاء اقوياء لها في اليمن خلال الفترة الماضية ، حيث دعمت اطراف سياسية يمنية لديها أجندات ومشاريع وتحالفات مغايرة للتوجهات السعودية ، فإن احتواء قوات الانتقالي وبقية التشكيلات العسكرية الجنوبية يعد تعويض لانتكاستها في اختيار حلفاء استنزفوها واستغلوها وحولوا دعمها وأموالها لبناء استثمارات كبيرة في الخارج بدلا من بناء قوات منظمة ومدربة كما فعل حلفاء الإمارات ، فسياسة الاحتواء هو الخيار المثالي والافضل للسعودية في موقفها القائم اليوم ، ومن الغباء السياسي تعويلها على الحلفاء السابقين ، الذين لم تجني منهم سوى الخسائر والهزائم والانتكاسات والخيبات ، لذلك اعتقد جازما بأن الساسة السعوديين سوف يفضلون خيار الاحتواء بدلا من خيار المواجهة هذا ما يقتضيه العقل والمنطق والسياسة ، لكن إذا طغى عليهم الغرور والتعالي ، وشاءت الاقدار ان تدور عليهم الدوائر نحو السقوط والانحدار ، والوقوع في الفخ القاتل فما عليهم إلا الاخذ بخيار المواجهة ، والذهاب خلف جوقة الشرعية الفاسدين والفاشلين ، وعليهم تحمل كل التبعات السلبية والكارثية المترتبة على خيار المواجهة على كل المستويات داخليا واقليميا ودوليا ..!!
وقد يكون كل ما يحصل مجرد تكتيك سياسي وعسكري متفق عليه بين السعودية والإمارات وبموافقه امريكية لأهداف قادمة في إطار مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة ، وفي هذه الحالة سيكون للموضوع قراءة أخرى ، وبالنسبة للحديث عن الوحدة اليمنية فهي ليس أكثر من شماعه تستخدمها السعودية لتنفيذ اجنداتها في اليمن ، فلا يمكن للعقل اليمني أن ينسى الدعم السعودي للانفصاليين في حرب 94م ، وحقيقة الأمر الوحدة اليمنية محمية بالقوانين والاتفاقات والمعاهدات الدولية ، ولن يستطيع فصيل أو طرف تقسيم اليمن دون قرار دولي واعتراف من مجلس الأمن ، ولن تتمكن لا الإمارات ولا غيرها من تقسيم اليمن طالما أنه لم يصدر قرار دولي بذلك . نقطة آخر الصدر ..!!