في دولة جعلت الإنسان محور التنمية، والأسرة أساس الاستقرار المجتمعي، تبرز القضايا الصحية المزمنة بوصفها اختبارًا حقيقيًا لقدرة المنظومة الصحية على الإنصاف والاحتواء. ومن بين هذه القضايا، تأتي أمراض المناعة الذاتية كأحد أكثر الملفات الصحية تعقيدًا، وأشدّها تأثيرًا على الفرد والأسرة معًا.
من هنا، جاء تأسيس جمعية المناعة الذاتية في دولة الإمارات العربية المتحدة كخطوة نوعية وريادية، جعلت من الإمارات أول دولة عربية تؤسس جمعية متخصصة وشاملة في أمراض المناعة الذاتية، والرابعة عالميًا من حيث هذا النطاق المتكامل، في انسجام واضح مع رؤيتها الإنسانية والصحية المتقدمة.
أمراض المناعة الذاتية: مرض الفرد… وتحدي الأسرة
أمراض المناعة الذاتية ليست أمراضًا عابرة، بل منظومة معقّدة تضم أكثر من 80 مرضًا، يختلّ فيها عمل الجهاز المناعي فيبدأ بمهاجمة خلايا الجسم السليمة.
وقد تطال هذه الأمراض المفاصل، الجلد، الجهاز الهضمي، العصبي، التنفسي، الدماغ، والأوعية الدموية، ما يجعل مسارها طويلًا ومتقلبًا، ويحتاج إلى متابعة دقيقة ومتعددة التخصصات.
وفي كثير من الحالات، يتلقى المرضى علاجات قوية، بما فيها العلاجات الكيماوية أو مثبِّطات المناعة، دون أن تُوفَّر لهم الخصوصية العلاجية أو منظومة المتابعة الشاملة التي تُمنح لمرضى الأورام، الأمر الذي يضع المريض وأسرته في حالة من عدم وضوح المسار العلاجي والقلق المستمر.
الأثر النفسي والاجتماعي… الوجه غير المرئي للمرض
إن غياب المرجعية الواضحة والتنسيق العلاجي لا ينعكس على المريض وحده، بل يمتد أثره إلى الأسرة بأكملها:
ضغط نفسي متواصل
ارتباك في اتخاذ القرارات
استنزاف عاطفي واقتصادي
شعور بالعجز أمام مرض طويل الأمد
وهنا يتجلى البعد الأسري لأمراض المناعة الذاتية، لتصبح قضية تماسك أسري بقدر ما هي قضية طبية، وهو ما يتقاطع جوهريًا مع فلسفة عام الأسرة 2026.
جمعية المناعة الذاتية: من الرعاية إلى الشراكة
تأتي جمعية المناعة الذاتية – الإمارات كإطار جامع يعيد تنظيم هذا الملف الصحي، ويعمل على:
توحيد الجهود الطبية والمعرفية حول أمراض المناعة الذاتية.
دعم المرضى وأسرهم نفسيًا ومجتمعيًا.
رفع الوعي لدى مقدمي الرعاية الصحية بأهمية التشخيص المبكر والمتابعة طويلة الأمد.
تعزيز البحث العلمي والتعليم الطبي المستمر.
بناء جسور تواصل بين المريض والمنظومة الصحية.
الجمعية لا تعمل بمعزل عن المؤسسات الصحية، بل تؤمن بأن التكامل هو الطريق الأمثل لتحسين جودة الرعاية.
التكامل الصحي–الأسري: ركيزة أساسية لعام الأسرة 2026
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمنظومة الصحية في تعزيز التكامل بين الرعاية الطبية والجوانب النفسية والأسرية، من خلال دعم إدماج التوجيه النفسي والدعم الأسري ضمن المسارات العلاجية لمرضى أمراض المناعة الذاتية.
إن هذا النهج، القائم على الشراكة بين الجهات الصحية وجمعية المناعة الذاتية كشريك مجتمعي داعم، يرسّخ مفهوم الأسرة المتماسكة، ويعزز استقرار المريض داخل محيطه الأسري، بما ينسجم مع رؤية دولة الإمارات في جعل عام الأسرة 2026 عامًا للتكامل، لا التجزئة، وللوقاية، لا الاكتفاء بالعلاج.
رسالة إيجابية لمقدمي الرعاية الصحية
إن تطوير التعامل مع أمراض المناعة الذاتية لا يتطلب فقط بروتوكولات علاجية، بل:
وعيًا أعمق بطبيعة هذه الأمراض.
تنسيقًا أفضل بين التخصصات الطبية.
مراعاة للبعد النفسي والاجتماعي للمريض.
شراكة فاعلة مع الجمعيات المتخصصة.
وهنا، تمثل جمعية المناعة الذاتية منصة دعم وتكامل تسهم في رفع جودة الخدمات، وتخفيف الضغط عن النظام الصحي، وتحسين تجربة المريض والأسرة.
مبادرة إماراتية برؤية إنسانية متقدمة
إن تأسيس جمعية المناعة الذاتية بهذا المستوى من الشمولية يعكس:
نضجًا مؤسسيًا في قراءة الفجوات الصحية.
وعيًا استراتيجيًا بأهمية ربط الصحة بالأسرة.
التزامًا عمليًا بتحويل الشعارات الوطنية إلى سياسات واقعية.
فحين نُحسّن حياة مريض المناعة الذاتية، فإننا:
نحمي أسرته،
ونعزز استقرار المجتمع،
ونُجسد فعليًا رؤية الإمارات في عام الأسرة.
نقول : جمعية المناعة الذاتية في دولة الإمارات العربية المتحدة ليست مجرد مبادرة صحية، بل نموذج متكامل للرعاية الإنسانية، يؤكد أن:
لا صحة مستدامة دون أسرة مستقرة،
ولا أسرة مستقرة دون مريض مفهوم ومدعوم،
ولا ريادة صحية دون شراكة واعية وتكامل مسؤول.
بهذا المعنى، تمضي الإمارات خطوة جديدة في ريادتها، لتقول للعالم:
الأسرة تبدأ من صحة عادلة، والرعاية الحقيقية تبدأ من الإنسان.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.
العين 02/01/2026
