هذا البيان ليس خطاب تهدئة، ولا مناورة سياسية، ولا تراجعًا عن الهدف، بل إعلان مسؤول لمرحلة فاصلة بين الصبر والنهاية. من يقرأه بعين باردة سيكتشف حقيقة واحدة: الجنوب دخل العدّ التنازلي لاستعادة دولته، ولكن بعقل دولة لا بعاطفة ثورة.
المجلس الانتقالي لم يعلن الدولة اليوم؛ لأنه يدرك أن الدول لا تُولد بالصوت العالي، بل بالشرعية، وبالقدرة، وبالمسار القانوني الذي يُحرج الخصوم ويكسب العالم. لذلك اختار طريق المرحلة الانتقالية المحددة بسنتين، لا يومًا أكثر، واضعًا الجميع أمام خيار واضح: حوار جاد يحترم حق الجنوب، أو انفصال منظم ومدعوم بإرادة شعبية واستفتاء دولي الرقابة.
البيان ينقل القضية الجنوبية من خانة النزاع المحلي إلى ملف تقرير مصير مكتمل الأركان، ويحمّل المجتمع الدولي مسؤوليته الأخلاقية والسياسية، ويقول بوضوح: نحن لا نهدد بالحرب، لكننا لا نقبل بالانتظار إلى ما لا نهاية. الجنوب قادر على إدارة أمنه، وحماية أرضه، وصون موارده، وهذا ليس ادعاءً، بل واقع أثبتته السنوات الماضية.
الأخطر في البيان ليس ما قيل، بل ما أُعلن ضمنيًا: دستور دولة الجنوب جاهز، والساعة بدأت، وإذا فشل الحوار أو فُرضت القوة، فإن المسار الدستوري سيُفعَّل دون استئذان أحد. هذه ليست لغة تصعيد، بل لغة ردع سياسي محسوب.
هذا البيان لا يقدّم تنازلًا، بل يقدّم فرصة أخيرة لمن يريد شراكة محترمة أو انفصالًا نظيفًا. أما من يراهن على إنهاك الجنوب أو تمييع قضيته، فليعلم أن زمن إدارة الأزمة انتهى، وبدأ زمن حسمها.
الجنوب اليوم لا يطلب إذنًا ليكون دولة، بل يحدّد متى وكيف سيعلنها.
تحياتي
أبو عبدالوهاب العلفي
أمذيب الحنشي