آخر تحديث :الأربعاء-07 يناير 2026-11:38ص

جولة في قصر المويجعي حيث الذاكرة تُصان لتصنع المستقبل

الإثنين - 05 يناير 2026 - الساعة 04:20 م
غسان جابر

بقلم: غسان جابر
- ارشيف الكاتب






في صباح يوم الاثنين 5/01/2026، كانت مدينة العين على عادتها؛ هادئة، واثقة، لا تستعجل الزمن. توجهتُ إلى قصر المويجعي، لا بوصفه موقعًا أثريًا فحسب، بل باعتباره شاهدًا حيًا على مرحلة صنعت ملامح دولة، وعلى رجالٍ لم يتعاملوا مع الحكم كامتياز، بل كأمانة.


منذ اللحظة الأولى لدخول القصر، تشعر أن المكان لا يُخاطبك بلغة العرض فقط، بل بلغة الاحترام. احترام التاريخ، واحترام الشخصيات التي مرّت من هنا، واحترام عقل الزائر الذي لا يُراد له أن ينبهر فقط، بل أن يفهم ويتأمل.


قصر المويجعي ليس مبنىً من طين وأبراج، بل ذاكرة سياسية واجتماعية. هنا أقام المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رحمه الله، ممثلًا للحاكم في العين، قريبًا من الناس، منصتًا لهم، مدركًا أن بناء الإنسان يسبق بناء الدولة. وبين هذه الجدران وُلد المغفور له الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، رحمه الله، ونشأ على قيم المسؤولية والهدوء والحكمة، قبل أن يكون رئيسًا لدولة، كان ابن مكان يعرف معنى الصبر والاتصال بالأرض والناس.


ما يميّز الزيارة اليوم هو الأسلوب الذكي في عرض التاريخ. لا خطابات مباشرة، ولا مبالغة، ولا استعراض فارغ. بل سرد بصري وصوتي متقن، يضعك داخل السياق لا خارجه. صور، تسجيلات، مؤثرات مدروسة بعناية، تجعل الزائر يشعر أنه لم يأتِ ليرى الماضي، بل ليقف داخله للحظة، ويفهم كيف تشكّل هذا الوعي القيادي الذي قاد الإمارات إلى ما هي عليه اليوم.


القصر يروي الحكاية بهدوء: كيف كانت العين، كيف أُديرت شؤونها، كيف كان الحكم قريبًا من الناس، وكيف تشكّلت علاقة فريدة بين القيادة والمكان. لا يفرض عليك نتيجة، بل يتركك تصل إليها بنفسك: أن هذه الدولة لم تُبنَ بالصدفة، بل بتراكم الرؤية والعمل والالتزام.


ولا يمكن المرور على هذه التجربة دون التوقف عند الحرص الواضح لسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان على صون هذا الإرث العظيم. فالمحافظة على قصر المويجعي، وترميمه، وتحويله إلى فضاء معرفي حي، ليست مسألة تراث فقط، بل رؤية سياسية وثقافية عميقة: أن من لا يحفظ تاريخه، لا يستطيع أن يقود مستقبله بثقة.


في قصر المويجعي، لا يُقدَّم الشيخ زايد ولا الشيخ خليفة كأسماء في كتاب، بل كجزء من مسار متصل، يبدأ من الواحة، ويمر بالحكم الرشيد، ويصل إلى دولة حديثة تعرف كيف توازن بين الأصالة والتقدم. وهذا التوازن هو سر الازدهار الإماراتي.


غادرت القصر وأنا على قناعة راسخة أن ما تقوم به دولة الإمارات في إدارة ذاكرتها ليس ترفًا ثقافيًا، بل سياسة وعي. فالتاريخ هنا لا يُحفظ ليُبكى عليه، بل ليُستلهم منه. والطين الذي بُني به القصر لم يعد مادة بناء فقط، بل صار رمزًا لصلابة دولة عرفت كيف تنطلق من جذورها لتصل بثقة إلى العالم.


قصر المويجعي ليس محطة سياحية، بل درس هادئ في معنى القيادة، ومعنى الوفاء، ومعنى أن يكون للتاريخ مكان محترم في مشروع الدولة الحديثة.


م. غسان جابر - العين 5/01/2026