في لحظة فارقة من تاريخ اليمن، وفي خضم مشهد سياسي معقد تتنازعه التجاذبات والانقسامات، يبرز صوت العقل من عمق محافظة أبين، حيث أعلنت قبائل المراقشة تأييدها الصريح للحوار الجنوبي – الجنوبي الذي دعت إليه المملكة العربية السعودية، مؤكدة تمسكها بالثوابت الوطنية، وحرصها على أمن واستقرار الوطن.
البيان الصادر عن مشائخ قبائل المراقشة لم يكن مجرد موقف سياسي عابر، بل جاء محمّلاً برسائل عميقة، تعكس إدراكًا وطنيًا راسخًا بحجم التحديات، ووعيًا متقدمًا بأهمية اللحظة التاريخية التي تمر بها البلاد.
أكد البيان أن محافظة أبين، التي لطالما كانت نموذجًا للتعايش والتكامل بين مكوناتها، لن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو مسرحًا لصراعات إعلامية وسياسية لا تخدم إلا الفوضى والانقسام. فالمراقشة، بما تمثله من ثقل اجتماعي وتاريخي، شددت على أن أبناء أبين يقفون صفًا واحدًا، تجمعهم روابط الدم والمصير المشترك، وأن أي محاولة لزج المحافظة في أتون الصراعات مرفوضة جملة وتفصيلًا. فان أبين أرض التعايش لا الصراع.
في موقف يعكس نضجًا سياسيًا ومسؤولية وطنية، أعلنت قبائل المراقشة تأييدها الكامل للدعوة إلى الحوار والتشاور الوطني الشامل، باعتباره السبيل الأمثل لمعالجة القضايا العالقة، بعيدًا عن منطق الإقصاء وفرض الأمر الواقع. وهو ما يعكس رغبة حقيقية في بناء شراكة وطنية تعبّر عن تطلعات أبناء الجنوب واليمن عمومًا.. فان الحوار. خيار العقلاء.
البيان لم يغفل التأكيد على دعم بسط نفوذ الدولة ومؤسساتها الشرعية على كامل التراب الوطني، ورفض أي مظاهر للفوضى أو السلاح خارج إطار الدولة. فالأمن والاستقرار – كما جاء في البيان – لا يتحققان إلا بدولة عادلة، قوية بمؤسساتها، حاضنة لكل أبنائها دون تمييز. فالدولة أولًا ، والفوضى مرفوضة.
وفي نبرة مسؤولة، دعت قبائل المراقشة جميع القوى السياسية والمجتمعية والإعلامية إلى تحري المسؤولية في الخطاب، والابتعاد عن التحريض والتخوين، وتغليب لغة العقل والحكمة، والعمل المشترك لحماية أبين من أي محاولات للتمزيق أو الاستغلال.
في زمن تتكاثر فيه الأصوات المتطرفة، يعلو صوت المراقشة كنداء للحكمة، وموقف للثبات، ورسالة بأن اليمن لا يزال يختزن في أعماقه قوى حية قادرة على إعادة التوازن، وصياغة مستقبل يليق بتضحيات أبنائه.
قبائل المراقشة لم تكتفِ بإعلان موقف، بل قدمت نموذجًا لما يجب أن تكون عليه النخب الاجتماعية في لحظات التحول: حارسة للوطن، لا حارقة له؛ حاضنة للوحدة، لا حاضنة للفرقة؛ ومؤمنة بأن الحوار هو السبيل الوحيد للعبور نحو يمن آمن، عادل، ومستقر.