آخر تحديث :الخميس-08 يناير 2026-03:00م

عبدالكريم توفيق… الصوت العذب الذي أيقظ النجوم وأوجع الذاكرة

الأربعاء - 07 يناير 2026 - الساعة 09:49 ص
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


عدنان زين خواجه


يأتي صوت الفنان عبدالكريم توفيق كنسمة ليلية دافئة، يشق سكون الليل بهدوء، لا ليكسره بل ليمنحه معنى أعمق. صوت يعرف طريقه إلى القلوب دون استئذان، ويوقظ في السامعين أحاسيس نائمة، حتى ليخيل للمرء أن النجوم نفسها تنصت حين يغني.

عبدالكريم توفيق ليس مجرد مطرب، بل حالة فنية متكاملة، ارتبط اسمه بأجمل ألحان الموسيقار الكبير فضل محمد اللحجي، ذلك الملحن الصادق الذي كان يعرف كيف يلبس الكلمة ثوبها القشيب، ويمنحها روحًا موسيقية نابضة. ومع كلمات الشاعر المجدد صالح سعيد نصيب، اكتمل مثلث الإبداع: كلمة عميقة، لحن أصيل، وصوت ذهبي قادر على حمل هذا الجمال دون أن يفقده صفاءه أو شجنه.

لقد طرق عبدالكريم توفيق آذان العشاق وأصحاب الأحاسيس الجياشة، فكان صوته ملاذًا لزفرات الآهات، وأنين الشوق، وهيام القلوب المتعبة. حنجرته ليست مجرد أداة غناء، بل وعاء شعوري، كلما مرت السنوات ازداد لمعانًا وشجنًا وحبًا ولوعه. والغريب الجميل في هذا الصوت أنه ظل محتفظًا بجوهريته وصبابته، لم تبتذله الأيام، ولم تنل منه تقلبات الزمن، فبقي الصوت الأوحد الذي يقاوم التلاشي.

غير أن هذا الكنز الفني لم يُعنَ به كما يستحق. فعبدالكريم توفيق، كغيره من كبار المبدعين، وُلد في بيئة لا ترحم مواهبها. في اليمن، حيث تُقتل المواهب بصمت، ويُترك الفنانون يواجهون الإهمال وغياب الرعاية المؤسسية، ظل هذا الصوت الكبير يعاني من التجاهل، لا لقصور في فنه، بل لغياب دولة تدرك قيمة الإبداع وأثره في الوجدان والهوية.

ولو أن صوت عبدالكريم توفيق وُلد في دولة خليجية، لكان اليوم يُلقب بـ«الصوت الملائكي»، ولحجز لنفسه مكانة بارزة في تاريخ الأغنية العربية، ولكانت أعماله تُدرّس وتُوثّق وتُحتفى بها في المهرجانات والمنصات الإعلامية. لكن المأساة أن الفنان اليمني، مهما بلغ من الإبداع، غالبًا ما يُترك على هامش الاهتمام الرسمي، وكأن الفن ترف لا قيمة له، لا ذاكرة وطن، ولا قوة ناعمة تمثل البلد أمام العالم.

إن مأساة عبدالكريم توفيق ليست حالة فردية، بل نموذج صارخ لمعاناة جيل كامل من الفنانين الذين حملوا الأغنية اليمنية على أكتافهم، وحفظوا لها أصالتها وجمالها، دون أن يجدوا الحد الأدنى من التقدير والرعاية. ومع ذلك، يبقى صوت عبدالكريم شاهدًا على أن الفن الحقيقي لا يموت، حتى وإن حورب، وأن الأصوات الصادقة تظل قادرة على شق السكون، وإيقاظ النجوم، مهما طال ليل الإهمال.