لو عاد ابن المقفّع اليوم، لما أرهق نفسه بتربية الأسود ولا بتأديب الملوك، بل لاختصر الطريق وافتتح عيادة فلسطينية شاملة:
سياسة في الطابق الأرضي، اقتصاد في العناية المكثفة، إعلام في قسم العلاقات العامة، فن في صالة الانتظار، والانتخابات… في الواجهة الزجاجية، للعرض فقط.
على الباب لافتة حديثة التصميم، بتمويل دولي، تقول:
«نستقبل جميع الحالات… شرط ألّا تطلبوا الشفاء الكامل».
السياسة: مريض يتكلم أكثر مما يتحرك
السياسة الفلسطينية حالة طبية معروفة: تضخم في الخطاب، ضمور في الفعل.
لسان طويل، وخطوات قصيرة، وذاكرة مثقوبة.
نفس الوجوه تتبدل أماكنها كما تُبدَّل الأسرّة في المستشفى، ونفس الجُمل تُعاد تدويرها منذ اتفاق لم يعد أحد يتذكر لماذا وُقّع.
كل فصيل يدخل العيادة بصفته “الطبيب المناوب”،
يشخّص الآخرين، ويمنح نفسه إجازة من المحاسبة.
الوصفة جاهزة:
جرعة وحدة وطنية قبل النوم،
حبّة تخوين بعد كل فشل،
ومسكن ألم باسم “الظرف الإقليمي”.
الطبيب البيطري – الذي ملّ من السياسة – يهمس للممرضة:
“المريض لا يريد علاجًا… يريد تفسيرًا مقنعًا لسبب بقائه مريضًا”.
الاقتصاد: على جهاز التنفس… ويتهم الإنتاج بالإرهاب
في الغرفة المجاورة، الاقتصاد الفلسطيني مربوط بأسلاك أكثر من مشروع وطني.
لا يُسمح له بالوقوف طويلًا، ولا بالسقوط أيضًا.
يُطلب منه أن يعيش… بلا حركة.
عملة بلا سيادة، اصلا فيش عنا عملة.
سوق بلا حماية،
وتاجر يُحاسَب إن ربح،
وعامل يُلام إن طالب بحياة طبيعية.
الاقتصاد هنا ليس مشروعًا، بل حالة إنسانية.
يعتمد على التحويلات كما يعتمد المريض على الأوكسجين:
تبقيه حيًا، وتمنعه من المشي.
كل محاولة إنتاج تُواجَه بسؤال أمني،
وكل فكرة استقلال تُؤجَّل “لما تهدأ الأوضاع” —
والأوضاع، كعادتها، لا تهدأ إلا في البيانات.
الإعلام: نشرة أخبار من داخل غرفة الانتظار
الإعلام الفلسطيني أنيق، مهذّب، وذو صوت منخفض.
يتقن فن التوازن:
لا يغضب أحدًا،
ولا يوقظ أحدًا.
يعشق كلمة “التحديات”،
ويتحسس من كلمة
“المسؤولية”.
يحبّ القصص المؤثرة، شرط أن تنتهي بالبكاء لا بالغضب.
في نشراته، الجميع يعمل، الجميع يجتهد،
ولا أحد يخطئ.
الخلل دائمًا “في الظروف”،
والأزمة بلا اسم،
والفشل يتيم.
“هذا ليس إعلامًا… هذا تخدير موضعي طويل الأمد”.
الفن: مكياج وطني بلا مرآة
الفن الفلسطيني يجلس في صالة الانتظار بكامل أناقته.
ملصقات جميلة، مهرجانات براقة، أغنيات تليق بالتمويل.
لكن لا أحد يجرؤ أن يسأل:
لماذا صار الفن خائفًا؟
لماذا يهمس حين يجب أن يصرخ؟
ولماذا صار أقرب إلى تصميم داخلي للوجع؟
فنّ لا يربك السلطة،
ولا يحرج المجتمع،
ولا يقترب من الأسئلة الثقيلة:
الطبقية، الفساد، النفاق، الذكورية، العجز الجماعي.
الغضب موجود… لكن بنسخة “لايت”،
مفلترة، قابلة للمشاركة، وغير قابلة للمساءلة.
المجتمع: متعايش مع المرض… ويخاف من الشفاء
المجتمع، المسكين، تعلّم كيف يعيش داخل العيادة.
صار يعرف أسماء الأمراض أكثر من أسماء الحلول.
يضحك ساخرًا، يشتم في السر، ويصوّت… عند الطلب.
الكل يشتكي،
والكل يعرف،
والكل ينتظر “انتخابات تغيّر كل شيء”.
الانتخابات القادمة: مشهد باسم… بلا نص
وهنا نصل إلى جوهرة العيادة:
الانتخابات القادمة.
ملصقات، شعارات، وجوه “جديدة” بذاكرة قديمة.
خطاب عن التغيير،
وقوائم تُدار بعقلية المجالس العشائرية.
الانتخابات هنا ليست أداة تغيير،
بل عرض موسمي:
نُفرغ الغضب في الصندوق،
ثم نعود لمقاعد الانتظار.
كليلة ودِمنة، لو حضرتا هذا المشهد، لقالتا:
“حين يُسمح لك بالاختيار دون أن يُسمح لك بالتغيير، فهذه ليست ديمقراطية… هذه تهوية نفسية”.
نقول : وصفة بلا سكر
لا شفاء بلا ألم.
ولا تغيير بلا خسائر.
سياسة تُقاس بالأفعال لا بالخطب.
اقتصاد يُبنى على الإنتاج لا الإعاشة.
إعلام يسأل بدل أن يجمّل.
فنّ يزعج… حتى لو خسر الدعم.
وانتخابات تكون بداية محاسبة، لا نهاية غضب.
وإلى أن يحدث ذلك،
ستبقى العيادة مفتوحة،
والحالات تتكاثر،
واللافتة على الباب صادقة جدًا:
«نعتذر… الشفاء ممكن، لكن غير مرغوب به حتى إشعار آخر».
وفي سجلّ المرضى، ملاحظة أخيرة بخط عريض:
المشكلة ليست في كليلة ولا دِمنة…
المشكلة في قفصٍ أقنعنا أنفسنا أنه وطن.
م. غسان جابر - قيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.