في عالم تكتوي فيه الحروب من شرق الأرض إلى غربها، تبدو المدن أطلالًا، والأسر وقودًا للصراعات، والنساء والأطفال أهدافًا مباشرة، والكرامة الإنسانية تتلاشى تحت وطأة الرصاص والفوضى. في سوريا، تهدمت المدن وانهارت المجتمعات، وطفل يبحث عن ملجأ، وأسرة تهرب من قذيفة، والغدر والقهر أصبحا روتينًا يوميًا. في العراق وليبيا والسودان، تحولت الشوارع لساحات قتل، والطائفية والانتقام أصبحا لغة القوة، والحياة بلا قيمة إلا في حسابات السلاح والسلطة، لتظل الإنسانية مختفية، والسلام حلم بعيد، والضمير الإنساني يختفي بين أنقاض البيوت وصوت الانفجارات.
لكن الجنوب اليمني شكّل استثناءً فريدًا في هذا التاريخ الدموي. من عدن إلى حضرموت ثم إلى المهرة، وعودة الإياب، امتدت المعارك، بطلها القوات الجنوبية وحلف قبائل حضرموت والنخبة الحضرمية ودرع الوطن والعمالقة. تتبدل الانتصارات، لكن البيوت صامدة، والنساء والأطفال في مأمن، بينما وقف الرجال وجهاً لوجه في الصحراء، القتال شأنهم، والمهزوم يعود مرفوع الرأس، والأسير يُعاد إلى أهله مكرمًا كما لو لم تكن هناك حرب، والسلاح أحيانًا يُترك في يد الخصم علامة ثقة ووفاء، لا تهديدًا.
ما أشعل نار الحزن في القلوب وزع في النفوس ألمًا وحسرة، لم يكن الجنوبيون سببًا له، بل جاء بسبب تدخل الغريب الذي أبعد المعركة عن ضوابطها وحرفها عن قيم الميدان. ومع ذلك، ظل الجنوبي محافظًا على كرامة خصمه، مدافعًا عن المدنيين، مؤمنًا بأن الحرب ليست مجرد دمار، بل امتحان للضمير الحي، وأن الإنسان أسمى من الأرض والرصاص. في الصحراء، شاهدت الجنود يسيرون جنبًا إلى جنب، يرافق المنتصر خصمه حتى يصل سالمًا إلى أهله، والابتسامات المرهقة تتلاقى، وقلوبهم تخفق بالدعاء: "الله يحفظكم".
حتى الانتقادات الصريحة للقيادات والتنقل بين الصفوف لم يكن سببًا للانتقام، بل علامة على فضاء أخلاقي رحب، لم تعرفه كثير من ساحات العالم. جاءت قوة درع الوطن والعمالقة لتدخل عدن بلا رصاصة واحدة، ولم نسمع صوت القتال، لأن الجميع يعرف أن الوطن أغلى من أي حساب، وأن السلام مسؤولية مشتركة، وأن الكرامة والحرمة فوق كل نزاع. هنا، اليمن الجنوبي يروي للعالم أن القيم الإنسانية تتقدم على الغضب والسلاح، وأن الانتصار الحقيقي ليس على الأرض فحسب، بل في قدرة الإنسان على الحفاظ على حياته وكرامته وضميره وحقه في العودة إلى أهله سالمًا.
اليمن يمني، والحكمة يمنية، والانتصار الحقيقي أن يبقى الإنسان حيًا، وأن يدرك كل مقاتل أن الوطن للجميع، وأن الحب لأرضه أعظم من أي انتصار مؤقت، وأن السلام والكرامة أعظم من كل صولة وجولة، وأن العودة إلى الأسرة مرفوعة الرأس هي أعظم نصر يمكن أن تحققه الحرب. هنا، القتال يعلّم الإنسان أن القوة ليست في الرصاص، بل في الرحمة، وأن البطولة ليست في تدمير خصمك، بل في حفظ الإنسانية، وأن أعمق الانتصارات هي التي تُترك في قلب كل يمني يواصل الحياة بسلام وكرامة.