آخر تحديث :الجمعة-09 يناير 2026-05:49م

ممن كان يستشير قيادات المجلس الإنتقالي؟

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 08:58 م
علي عبدالإله سلام

بقلم: علي عبدالإله سلام
- ارشيف الكاتب


ليس من باب الخصومة ولا المكايدة يُطرح هذا السؤال؟، بل من باب القلق الصادق على مشروع وُلد كبيرًا، وحمل آمال قطاع واسع من الجنوبيين، قبل أن يبدأ بالتآكل من الداخل نتيجة قرارات افتقرت إلى المشورة الرشيدة، وإلى القراءة الاستراتيجية المتزنة.

لقد أثبتت التجربة أن المكاسب العسكرية التي تحققت عبر النخبة الشبوانية قبل معركة أغسطس 2019 بمدينة عتق كانت من أقوى ما حققه المجلس الانتقالي ميدانيًا. يومها، لم يكن التفوق وليد الصدفة، بل نتيجة بنية أمنية منضبطة، وقيادات ميدانية ذات خبرة، وحضور مجتمعي منح تلك القوات شرعية وقبولًا، فكان الانتصار سريعًا وحاسمًا، وأنتج واقعًا سياسيًا وأمنيًا متماسكًا.

في المقابل، جاءت معركة قوات دفاع شبوة في أغسطس 2022 لتكشف الفارق بوضوح. فعلى الرغم من السيطرة العسكرية التي تحققت، إلا أن المعركة افتقدت إلى العمق الاستراتيجي ذاته، وغابت عنها عوامل الاستدامة والاحتواء المجتمعي، ما جعل نتائجها هشّة، وسريعة التآكل، وأقرب إلى نصر بلا مكسب طويل الأمد ولا أفراد متميزين ولا قوة السلاح.

الأمر ذاته، بل أشد وضوحًا، تكرّر في أحداث حضرموت (ديسمبر 2025)، وهي معركة – أو بالأدق مواجهة سياسية/أمنية – ستصدم الكثيرين عند معرفة أن إدارتها جرت دون وجود مركز عمليات حقيقي، ودون غرفة قيادة موحدة. لم يكن الفشل هناك بسبب قوة الخصم، بل بسبب غياب التنظيم، وترك أصحاب الخبرة الحقيقيين على الهامش، مقابل ترقية شخصيات كانت حاضرة في الأركان شكليًا، لكنها تفتقر للقيمة المجتمعية، والخبرة الميدانية، والقدرة على إدارة التعقيدات الحضرمية.


وهنا تتجلّى المفارقة المؤلمة:

فالمجلس الانتقالي الجنوبي يمتلك – نظريًا – مراكز دعم قرار، ومراكز تخطيط استراتيجي، ومراكز توثيق ودراسات، لكن هذه المؤسسات لم تُفعَّل في اللحظات الحاسمة، ولم يُطلب منها أداء دورها الطبيعي في النصح والتحذير، أو في منع الانزلاق نحو مواجهات بلا أفق.

لقد تحوّل القرار، في كثير من المحطات، من قرار مؤسسي إلى قرار مزاجي، تحكمه دائرة ضيقة، وتؤثر فيه أصوات المصفقين أكثر من آراء المختصين. ومع الوقت، أصبح الاعتماد على المتسلقين والمنتفعين هو القاعدة، بينما جرى تهميش النخب الحقيقية، وهو ما يفسر لماذا كان المجلس يفشل – سياسيًا أو معنويًا – مع كل معركة يدخلها دون تخطيط رصين.

ما يزيد الألم أن كل ذلك جاء بعد أن حقق المجلس حضورًا دوليًا مهمًا، ونجح في تثبيت نفسه طرفًا حاضرًا في أكثر من محفل إقليمي ودولي، بجهد أقل وبكلفة أدنى مقارنة بأطراف أخرى. ومع ذلك، نجد أنفسنا اليوم أمام مشهد يعيده – للأسف – إلى نقطة الصفر، لا بفعل الهزيمة، بل بفعل سوء الإدارة.

ومع تطورات حضرموت والمهرة، تفاقمت الأزمة أكثر، إذ تحوّل بعض المناصرين من حالة الدفاع السياسي إلى التهديد والوعيد، بل وصل الأمر أن ناشطًا يعمل لدى جهة تساند المجلس الانتقالي انقلب إلى ما يشبه المخبر، يرصد ويلاحق كل من يعبّر عن رأي مخالف، في سلوك يعكس حالة توهّان لا حالة مشروع وطني.

لقد طغت حالة الارتباك على حساب التوازن، وغابت الحكمة لصالح الانفعال. وأقولها بصدق موجع:

لا أريد هذه النهاية.

لا أريد أن ينتهي مشروع بهذا الحجم إلى تضييق للكلمة، وتخوين للاختلاف، وتسليم القرار لمن لا يدرك خطورة ما يفعل.

والسؤال الذي سيتكرر اليوم؟ هل ما زال الأمل قائمًا، إن يعيد الاعتبار للمؤسسات، ولأصحاب الخبرة، وللقيمة المجتمعية قبل الرتب والمواقع. فالقضايا الكبيرة لا تُهزم من الخارج فقط، بل قد تنهار من الداخل حين يُقصى العقل ويُقدم الضجيج.