آخر تحديث :الجمعة-09 يناير 2026-05:49م

لا تثريب عليكم اليوم ،،

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 11:14 م
د. سعيد سالم الحرباجي

بقلم: د. سعيد سالم الحرباجي
- ارشيف الكاتب


هكذا أصغى الزمان لسماع هذه العبارة

الخالدة التي أطلقها سيدنا يوسف

في ذلك الموقف الذي مكَّنه الله فيه

من أن يأخذ بثأره وأن يقتص ممن

ظلمه ، وتآمر عليه، وألحق به أشد الأذى .


وقع ظالموه فجأة في قبضته ،وهو

صاحب قرار ، وصاحب نفوذ ، ولديه

سلطة تمكنه من أن يبطش بإخوته

الذين ألقوه في الجب وهو لا يزال

غلاماً .


هكذا سنحت له الفرصة ، وهكذا

أتيحت له لحظة الانتقام ، وهكذا

وقع أولئك المجرمون في قبضته ...


لكنه أغمد سيف الانتقام ، وأطفأ

نار العداوات ، وأخمد جذوة الأحقاد..

فتعالى على جراحه ، وتسامى

على آلامه ، وترفَّع على ضغائنه..

فآثر العفو على الانتقام ، ومنح

المغفرة بدلاً من العقاب ..


فأطلقها واضحة ، صريحة ،مدوَّية ،

لا تثريب عليكم اليوم

لا مؤاخذة لكم ، ولا تأنيب ، ولا

انتقام ، ولا حساب ..

فقد انتهى الأمر من نفسي ولم تعد

له جذور، والله يتولاكم بالمغفرة

وهو أرحم الراحمين !!!


هكذا بكل وضوح ، وبكل قوة ،

و بكل صراحة ، وبلا تلعثم

وبلا لا تلكؤ...

لا تثريب عليكم اليوم


فيا لله ، ويا لعظمة الأخلاق الفاضلة ،

ويا لسمو النفوس الكبيرة .


وهكذا رسخ سيدنا يوسف هذا

المبدأ العظيم ...

(مبدأ العفو عند المقدرة )

وذلك ليكون منهجاً يحفظ حياة

الناس ويحمي المجتمع من التشظي

ويعيد بناء العلاقة الاجتماعية

على أساس التعاون ، والشراكة

والقبول بالآخر .


ذلك النهج الراقي ، وذلك الخلق

الرفيع هو ما دعا الحبيب محمد

(ص) أن يتخذه منهجاً لسيرته

العطرة مع مناوئيه .


فها هو ذا عليه الصلاة والسلام يدخل

مكة فاتحاّ بعد معاناة امتدت لأكثر

من عشرين عاماً...

ذاق خلالها الأمرين هو وصحابته .


فلمَّا مكَّنه الله من رقاب أعدائه

، وممن نكلوا به وبأصحابه ، وجثوا

بين يديه صاغرين ، مطاطئين

رؤوسهم قام فيهم خطيباً فقال لهم :

( ما ترون أنَّي فاعل بكم اليوم ؟ )

ربما تبادر إلى أذهان مجرمي الحروب،

ومنزوعي الضمائر أنه سيقول :

اليوم يوم الانتقام ، اليوم يوماً لرد

الصاع صاعين.


ساد الصمت برهة من الزمن ،ونظر

القوم بعضهم إلى بعض فقالوا

وبصوت واحد :

( أخ كريم ، وابن أخ كريم )

فرد عليهم بصوت واااااضح :

(إذهبوا فأنتم الطلقاء ، لا تثريب

عليكم اليوم ) .

فيا لعظمة روحك ، ويا لسمو

خلقك يا رسول الله .


رُغم مرارة الألم ، ورُغم فضاعة

الجرح ، ورُغم قسوة المعاناة

التي تجرعها هو واصحابه

لأكثر من عشرين عاماً ...

إلا أنَّه ( ص) آثر العفو ، واستحسن

السماحة ، واستساغ المغفرة.


وذلك أجدى من الانتقام ، وأمضى

من العقاب .


وهكذا هو شأن النفوس الكبيرة ،

وهذا هو خلق العظماء ، وهذه

هي شيم الأسوياء ، وهذه هي

صفات الأتقياء .


ذلك أنَّ روح الانتقام لا يتصف

به إلا ضعيف النفس ، فاسد الفطرة

ملوث الطبع .


كان بإمكان سيدنا يوسف أن يدخل

جميع إخوته السجن ، وأن يبطش بهم

جراء ما فعلوه في حقه....

وهذا أسهل فعله يقوم به أتفه

إنسان ولكن...

لم تأخذه عزة النفس ولم تدفعه

نشوة النصر ليشهر سيف الانتقام !!!!


فاختار الطريق الصعب فداس بقدميه

فورة النفس ، وآثر العفو وهو في

مقام المقتدر على الانتقام !!!


والحال كذلك مع محمد بن عبدالله

وقد لاحت له فرصة الأخذ بالثأر من

أعدائه وهم بين يديه صاغرين ...

لكن عزة نفسه ، ونخوة طبعه

، وشهامة خلقه ....آثرت العفو .


ذلك أنَّه من طبيعة البشر أن يختلفوا،

ومن طبيعتهم أن يختصموا ، ومن

طبيعهم أن يقتتلوا ...


فحتى لا تبقى سفينة الانتقام مشرعة

دائما ، وحتى لا تبقى نار العداوات

مستعرة كل حين ...

كان العفو ، والتغافر ، والتسامح

هو البسلم الشافي ، والدرع الواقي

لحفظ المجتمعات من التشظي .


لأنٌ الفعل يستوجب رد فعل ربما

يكون أقسى من الفعل نفسه .

فإذا انتهت العداوة بالعداوة...

ستستمر سفينة الانتقام في الإبحار،

وستستمر نار الاحقاد في الاشتعال .


ولهذا كان خلق العفو كفيلاً بأن يرمم

العلاقات الاجتماعية ، ويطبب الجروح

الغائرة ، ويزيل الشوائب النتنة .

ويؤسس لمرحلة جديدة تُبنى على

الحب ، والإخاء ، والتراحم .


وقد رأينا نتائج عفو النبي على أهل

مكة ، فقد أسلم الكثيرون وحسن

إسلامهم .

ولهذا قالوا :

العداوة لا تنتهي بالعداوة....

بل تنتهي بالحب .

نحن اليوم على أعتاب مرحلة جديدة

، وُلِدَتْ من رحم صراع مرير ...

شابها كثير من الآلام ، والجراحات ،

والأنات ، والهنات ...

ولكن ...

يكفي عبثاً بأرواح الأبرياء ، يكفي

عبثاً بموارد البلد ٫ يكفي عبثاً

بمستقبل أجيالنا .

اليوم نقول لعتاولة الحرب ،ومصاصي

الدماء وبكل وضوح :

لحوالي ستة عقود من تارخنا الجنوبي

ونحن نكتوي بنار الصراعات الأخوية

العبثية...

والنتيجة تدوير الصراع الجنوبي

الجنوبي وبإشراف خارجي ، وبأيدي

جنوبية ، و بدماء جنوبية.

لقد جربتم الحروب ، وجربتم

سياسية الاقصاء والتهميش

وجربتم ركوب لوثة المناطقية

العفنة وهذا الكلام موجه للجميع

سلوا أنفسكم ...ماذا جنيتم ؟

تدمير البنى التحية للبلد ، خراب

الاقتصاد،تخلف على مستوى جميع

صعد الحياة ...

ناهيك عن إزهاق الأرواح البريئة

واتساع شقة الخلاف ، واشتعال

جذوة الصراعات !!!

لقد آن الآوان أن نطوي صفحة

عفنة من تاريخنا الحديث في

جنوبنا الحبيب، وأن نواري حقبة

قذرة من صراع عبثي غرس

بذوره النصراني قبيل خروجه

من عدن الحبيبة ، وأن نقتلع لوثة

المناطقية الخبيثة التي سقاها

الإستعمار بماء الاحقاد .

لقد حان الوقت لنؤسس لحوار أخوي

ونهيأ الأرضية لبدء مرحلة جديدة

عنوانها ( الجنوب لكل الجنوبيين )

جربوا السلام ...

جربوا السلام ..

جربوا السلام..