آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-09:53م

قوة الحاكم وقوة الشعب… علاقة شرعية لا تُكسر

الجمعة - 09 يناير 2026 - الساعة 01:37 م
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب


ليست قوة الحاكم في ما يملك من سلاح، ولا في اتساع نفوذه ولا في قدرته على فرض قراراته بالقوة بل في مشروعيته أولًا، وفي مقدار ما يحظى به من قبول وثقة في قلوب الناس فالحكم الذي لا يتكئ على إرادة الشعب يبقى هشا مهما بدا صلبًا وتظل قوته مؤقتة قابلة للانهيار عند أول اختبار حقيقي الحاكم القوي هو من يفهم أن شرعيته لا تمنح بالقهر، بل تبنى بالعدل وتصان بالإنصاف وتترسخ حين يشعر المواطن أن كرامته مصونة وصوته مسموع، وحقوقه غير قابلة للمساومة.

وعندما يحكم الحاكم بمبادئ واضحة ويجعل القانون ميزانا واحدا لا يميل ويقدّم مصلحة الوطن على مصلحة السلطة، يتحول الشعب من عبء إلى سند ومن حالة صبر قسري إلى شراكة واعية عندها يصبح المواطن حارسا للاستقرار ومدافعًا عن الدولة، وشريكا في القرار لا لأنه مجبر بل لأنه مؤمن بأن هذا الحكم يمثله ويحمي مستقبله.

وفي الجهة الأخرى لا يقاس وزن الشعوب بعددها ولا بمواردها وحدها بل بقدر ما تمتلكه من كرامة وحرية وعدل ومساواة فالشعب الذي يعيش مهدور الكرامة مكبّل الإرادة، لا يستطيع أن يبني وطنا ولا أن يصنع نهضة مهما توفرت له الإمكانات الكرامة هي الأساس الذي يمنح الإنسان ثقته بنفسه، والحرية هي الفضاء الذي ينطلق فيه العقل دون خوف والعدل هو الشعور الذي يزرع الطمأنينة والمساواة هي الضمانة التي تجعل الجميع يشعرون أنهم جزء من الوطن لا غرباء فيه.

وحين تتجسد هذه القيم في واقع الناس يتحول الشعب إلى قوة حقيقية لا تهزمها الأزمات ولا تكسرها التحديات شعب يشعر بالعدل لا ينجر إلى الفوضى، وشعب ينعم بالحرية لا يستدرج إلى التطرف وشعبٌ تصان كرامته لا يفرّط بوطنه ولا يساوم على استقراره هكذا فقط تبنى الدول لا بالقبضة الحديدية بل بعقد أخلاقي متين بين الحاكم والمحكوم.

إن العلاقة بين الحاكم والشعب ليست علاقة غلبة بل علاقة تكامل فلا حاكم قوي دون شعب كريم حر ولا شعب قوي دون حاكم عادل حكيم وحين يختل هذا التوازن، يضعف الطرفان معًا وتدفع الأوطان الثمن أما حين تتكامل الشرعية مع الكرامة والسلطة مع العدالة فإن الدولة تقف على أرض صلبة ويصبح المستقبل مشروعا مشتركا لا حلما مؤجلًا.