آخر تحديث :الثلاثاء-03 مارس 2026-09:50م

ثورة 23 المخلافي حين يتقمّص ناقد الذاكرة دور الوصيّ على التاريخ

الإثنين - 12 يناير 2026 - الساعة 08:02 ص
غمدان ابواصبع

بقلم: غمدان ابواصبع
- ارشيف الكاتب


يكتب عبد الملك المخلافي وكأنه المكلّف رسميًا بحراسة التاريخ الوطني، لا بوصفه مجالًا للبحث والمساءلة، بل بوصفه ملكية خاصة مغلقة، لا يُسمح بدخولها إلا لمن يحمل بطاقة اعتماد أيديولوجية مسبقة. فالنص الذي قدّمه، تحت لافتة نقد “اختزال التاريخ في رواية فرد”، لا يفعل في جوهره سوى إعادة إنتاج اختزال أشد فجاجة: اختزال التاريخ في رواية واحدة، وفي شهود بعينهم، وفي ذاكرة “مقبولة”، وما عداها هراء أو “حكايات للتسلية


المخلافي لا يناقش روايات الأستاذ يحيى أبو إصبع، بل يسعى بكل وقاحة إلى شطب حقه في الرواية أصلًا. لا يفكك الوقائع، ولا يوازن بين شهادات متعارضة، بل يلجأ إلى أسهل الطرق وأكثرها كسلًا فكريًا: الطعن في الذاكرة، والتشكيك في الأهلية، والتلميح إلى الشيخوخة، وكأن الزمن إذا مرّ على إنسان أسقط عنه حق الكلام، إلا إذا كان كلامه منسجمًا مع السردية الرسمية التي يريدها هو وحده.


الكاتب نفسه ليس غريبًا عن هذا السلوك. فهو الرجل الذي اعتاد تقمص الأدوار، ولم يقدم لناصريًا ما يمكن ذكره بقدر ما جعل منه كبريًا يمر عبره في حركات القوميين العرب، وهو ما بات اليوم واضحًا بعد سقوط الأقنعة وظهور الوجه الحقيقي: متسلق للقومية أكثر من كونه قوميًا، بائعٌ لأوهام الانتماء السياسي حين يخدم مصالحه الخاصة.


المفارقة الصادمة أن من يرفع شعار “التاريخ يُكتب بالوثيقة لا بالذاكرة” يتعامل مع الوثيقة نفسها بوصفها نصًا مقدسًا لا يُراجَع، ومع الشهادة بوصفها حكمًا نهائيًا لا يُناقَش، ما دامت صادرة عن “الأسماء الصحيحة”. أما إذا جاءت الشهادة من خارج النادي السياسي والفكري المغلق، فإنها تتحوّل فجأة إلى عبث أو استيهام أو “ثقة مفرطة بالنفس”، وكأن العالم كله صامت إلا من يسمعونه.


وفي استدعاء اسم الشهيد إبراهيم الحمدي، يبلغ المقال ذروة الوصاية. فالحمدي هنا ليس شخصية تاريخية قابلة لإعادة القراءة، بل أيقونة محنّطة، محرّم الاقتراب منها إلا بالطريقة التي أقرّها حراس الذاكرة. مجرد طرح رواية مختلفة، أو حتى سؤال منطقي، يُعدّ تجاوزًا لا يُغتفر. لا لأن الرواية خاطئة بالضرورة، بل لأنها ببساطة لا تنتمي إلى السرد الذي ارتاح له المخلافي ومن هم على شاكلته منذ عقود.


الأخطر في المقال ليس نفي عضوية الحمدي هنا أو إثباتها هناك، بل المنطق المعيب الذي يحكم النص: منطق يقول إن التاريخ انتهى، وإن كل ما كُتب سابقًا هو الحقيقة النهائية، وإن أي محاولة متأخرة لإعادة السرد ليست إلا تشويشًا أو تزويرًا. وهذا منطق لا يحمي التاريخ، بل يقتله، لأنه يحوّله من مجال حيّ للصراع المعرفي إلى أرشيف مغلق تديره نخبة تتصوّر نفسها أوصياء على الماضي، متعالية على الجميع.


وحين يسخر المخلافي من ثورة 23 حمروش”، فإنه لا ينتبه أو يتغافل عمدًا عن أنه يمارس الفعل ذاته: تحويل حدث وطني واسع ومعقّد إلى “ثورة 23 المخلافي حيث تُقبل الروايات بشرط واحد فقط: أن تمر عبر بوابته، وأن تنسجم مع يقينه، وأن لا تهدّد الترتيب المريح للذاكرة السياسية.


متى يتعلم للمخلافي أن التاريخ الوطني لا يُصان بإسكات الأصوات، ولا بتجريم الذاكرة الفردية، ولا بتحويل الشهادات إلى أصنام. التاريخ يُكتب بالصراع بين الروايات، لا

بإعدامها. وما لم يُدرك المخلافي هذه الحقيقة البسيطة، فإن مقاله مهما بدا صارمًا ومثقفًا لن يكون دفاعًا عن التاريخ، بل دفاعًا عن احتكار تفسيره، وهو احتكار لا يقل خطرًا عن اختزال الثورة في سيرة ذاتية، بل ربما يفوقه قسوةً وتعاليًا وسخافةً.