ما زال دعاة انفصال جنوب اليمن يعيشون في حالة إنكار سياسي عميق ووهم ، يتغذى على شعارات قديمة لم تعد قادرة على تفسير الواقع، ولا على إنتاج حلول قابلة للحياة. فهتاف «ثورة ثورة يا جنوب» لن يجدي نفعا لقيام دولة في جنوب اليمن، ولكن قد يبقى أداة تخدير جماعي تُستخدم للهروب من مواجهة الحقائق الجديدة التي فرضتها التحولات العسكرية والسياسية والاجتماعية في اليمن. ولم يستفق هؤلاء حتى اللحظة من صدمة الهزيمة القاسية التي تعرّضت لها مليشيات المجلس الانتقالي الجنوبي في حضرموت والمهرة وسقطرى، وهي هزيمة لم تكن عسكرية فحسب، بل كشفت هشاشة المشروع الانفصالي برمته. وجرائمه ، فقد نتج عن الهجوم العسكري على حضرموت والمهرة وسقطرى، كراهية ليس لها حدود ستكون السد المنيع والعقاب القاسي لجنوب اليمن ، بمعنى ان حضرموت وسقطرى والمهرة لن تكون جزء من جنوب اليمن مهما حدث بل انه اصبج من المستحيل .
إن المتغيرات التي شهدها جنوب اليمن خلال السنوات الأخيرة، وبالأخص ما جرى في حضرموت والمهرة وسقطرى، تؤكد أن فكرة قيام دولة جنوبية لم تعد واقعية، لا من الناحية الجغرافية، ولا السياسية، ولا الاجتماعية. فهذه المحافظات الثلاث حضرموت والمهرة وسقطرى لم تعد ترى نفسها جزءًا من الجنوب، ولا من الشمال، ولم تعد تقبل بأن تكون ورقة تفاوض في أي مشروع لا يعترف بخصوصيتها وحقها في تقرير مصيرها. بل إن الموقف الحضرمي – المهري – السقطري يتجه بوضوح نحو خيار الاستقلال السياسي بوصفه المسار الوحيد القادر على حماية الأرض والإنسان والموارد.
وعلى خلاف ما تروّج له بعض الفصائل الجنوبية، فإن فكرة إدماج حضرموت والمهرة وسقطرى في إطار فيدرالي جنوبي لم تعد مطروحة من الأساس. فقد سقط هذا الطرح مع أول اختبار حقيقي بعد احتلال 1967، وفي المرة الثانية حين تحوّل الجنوب، في ظل هيمنة المجلس الانتقالي، إلى نموذج للإقصاء وفرض الأمر الواقع بالقوة. ولذلك، فإن هذه المحافظات لا ترى في الفيدرالية الجنوبية سوى إعادة إنتاج لمركزية جديدة، تختلف في الأسماء لا في الجوهر، وهو ما ترفضه جملة وتفصيلًا.
في المقابل، تبدو الحاجة ملحّة لأن يعيد جنوب اليمن، الممتد جغرافيًا من عدن إلى شبوة، ترتيب أوراقه السياسية بعيدًا عن الأوهام، وأن يواجه الواقع بعقلانية سياسية. فقيام دولة جنوبية مستقلة بعد خروج حضرموت والمهرة وسقطرى بات أمرًا مستحيلا، ليس فقط بسبب فقدان العمق الجغرافي والاقتصادي، بل أيضًا بسبب غياب التوافق الداخلي، وتعدد مراكز القوة، وانعدام مقومات الدولة المستقرة. وهذا ما دفع كثيرًا من الفاعلين الإقليميين والدوليين إلى قناعة واضحة مفادها أن أقصى ما يمكن أن يحصل عليه هذا الكيان الجنوبي هو صيغة فيدرالية ضمن دولة يمنية واحدة، لا أكثر.
وبهذا المعنى، فإن الجنوب، كما يتشكل اليوم في وعي المجتمع الدولي، ليس مشروع دولة مستقلة مكتملة الأركان، بل إقليم سيظل مرتبطًا باتحاد فيدرالي مع شمال اليمن، في إطار تسوية سياسية شاملة. أما حضرموت، فإنها تتجه إلى مسار مختلف تمامًا، مسار يقوم على وضع خاص خارج معادلة الحل اليمني – اليمني التقليدي، وبمنطق سياسي جديد يتجاوز ثنائية الشمال والجنوب التي استُهلكت تاريخيًا ولم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار.
إن الحديث عن حضرموت واخواتها بوصفها كيانًا ذا وضع خاص لا ينطلق من نزعة انعزالية، بل من قراءة واقعية لموقعها التاريخي والاجتماعي والثقافي. فحضرموت لم تكن يومًا جزءًا عضويًا من الصراعات الأيديولوجية التي عصفت ببقية اليمن، كما أن نسيجها الاجتماعي، وامتدادها الثقافي والاقتصادي، يرتبط بشكل وثيق بمحيطها الخليجي، الذي شكّل على الدوام عمقها الطبيعي. ومن هنا، فإن أي ارتباط مستقبلي لحضرموت بمحيطها الخليجي لا يُعد خروجًا عن السياق، بل عودة إلى الجغرافيا الاجتماعية التي تم تجاهلها قسرًا لعقود.
في المحصلة، فإن استمرار دعاة الانفصال الجنوبي في التمسك بشعارات تجاوزها الزمن لن يغيّر من موازين الواقع شيئًا، بل سيعمّق الأزمة ويؤخر الوصول إلى حلول واقعية. فزمن الجنوب الكبير الذي يضم حضرموت والمهرة وسقطرى قد انتهى، وزمن إعادة التفكير العقلاني في الشراكات الممكنة قد بدأ. ومن لا يدرك هذه الحقيقة اليوم، سيجد نفسه غدًا خارج التاريخ، يكرر هتافات لا يسمعها أحد، بينما تُرسم خرائط المستقبل بعيدًا عنه.
المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا