محمد محسن الجوهري
وأنت تتجول في أزقة مدينة وهران التاريخية في شمال غرب الجزائر ستشعر للوهلة ألولى وأنت تسمع لهجتها الدارجة، أنك في كوكب آخر، لكن سرعان ما تنحل الأزمة بمجرد أن تسمع الفعل اليمني الأصيل
نشتي" وهو يتكرر بكثرة في الدارجة الجزائرية، عندئذٍ ستشعر أنك في أحد الأحياء الشعبية في أزقة صنعاء القديمة، وسرعان ما تتمكن من فك شفرة اللهجة الجزائرية لتتأكد أنها مجرد دارجة عربية بلكنة سريعة وإضافات لفظية من لغات الاستعمار، وما دون ذلك فهي عربية أصيلة لا تحتلف كثيراً عن عربية اليمن.
وبالنسبة للكنة، فهي دوماً ترتبط بالجغرافيا، فلكل أرض لكنتها الخاصة، وامتاز العرب في المغرب عن نظرائهم في المشرق بسرعة الحديث وكثرة الحذف والإدغام للحروف، ومن هنا تم وصفهم بــ"البربر"، وهذا الوصف يقتصر فقط على اللكنة ولا يمثل في نفسه أي ثقافة أو لغة أخرى، ولكن الاحتلال الغربي أرادها أن تكون هوية مختلفة عن العربية للتأصيل للخلاف وتعميق سياسة "فرق تسد" الاستعمارية الشهيرة.
وبالتعمق أكثر في الدارجة الجزائرية ستكتسف قدر غير قليل من الألفاظ المشتركة مع اللهجات اليمنية، وهو تشابه لا يمكن تفسيره على أنه تلاقٍ عَرَضيّ أو اقتراض حديث، بل وإنما نتيجة اشتراك تاريخي أعمق في البنية المعجمية العربية القديمة، مع اختلاف في المسارات الصوتية والدلالية عبر الزمن.
وقد رصد باحثون ميدانيون ومهتمون باللسانيات العربية عددًا من الألفاظ المتداولة في الاستعمال اليومي في البيئتين، تتقاطع لفظًا أو معنى، وتؤدي الوظيفة التداولية نفسها تقريبًا، وهو معيار أساسي في الدراسات اللهجية للحكم على القرابة المعجمية.
من ذلك لفظة «هَدْرَة»، المستعملة في اليمن والجزائر وتونس وليبيا بمعنى الحديث أو الكلام. وهذه اللفظة يمكن ردّها إلى الجذر العربي (هـ د ر)، الذي يدل في أصله على الجريان والصوت، كما في «هَدير الماء»، ثم تطورت دلالته في الاستعمال العامي إلى الكلام المتواصل، وهو تطور دلالي طبيعي تشهد له العربية في مواضع أخرى. ويُلاحظ أن اللفظة لم تُستعمل في الفصحى الحديثة بهذا المعنى، لكنها بقيت حيّة في الاستعمال الشعبي، وهو ما يعزّز فرضية كونها بقايا معجمية قديمة.
وكذلك لفظة «فَيْسَع» أو الفعل «يِفْسَع» بمعنى أسرع أو بادر، وهي معروفة في عدد من اللهجات اليمنية، وتظهر بصيغ قريبة في بعض لهجات المغرب العربي. ويرتبط هذا الاستعمال بالجذر (ف س ع) الدال على الاتساع والانفراج، ومنه الفسحة، ثم انتقل المعنى مجازًا إلى الانطلاق في الحركة والسرعة، وهو مسار دلالي مألوف في تطور الألفاظ.
أما لفظة «أَشْتِي / نِشْتِي» بمعنى أريد، فهي من أكثر الشواهد وضوحًا في هذا الباب، إذ تَرِد في لهجات يمنية متعددة، كما تُستعمل في الجزائر وبعض مناطق المغرب العربي. ويمكن ردّها إلى الفعل العربي القديم شَتَى / يَشْتِي بمعنى طلب وأراد، وهو فعل مثبت في المعاجم القديمة، وإن كان قد اندثر من الاستعمال الفصيح المعاصر. ويُعد بقاء هذا الفعل في لهجات متباعدة جغرافيًا دليلًا على عمق الجذر المشترك، لا على الاقتراض المتأخر.
ومن الألفاظ اللافتة أيضًا «كَلَحْنِي» بمعنى خدعني أو احتال عليّ، وهي مستعملة في بعض البيئات اليمنية، ومعروفة في لهجات جزائرية. ويرتبط هذا الاستعمال بالجذر (ك ل ح) الذي يدل في العربية على الشدة والغلظة وتغير الهيئة، ثم تطور مجازًا ليعبّر عن المكر والخداع، وهو تطور دلالي معروف في العربية الكلاسيكية.
وتُلاحظ كذلك صيغ الإشارة مثل «هَكَّه / هَكَّا» بمعنى هكذا، وهي شائعة في اليمن وفي مناطق واسعة من المغرب العربي. وهذه الصيغ ترجع في أصلها إلى أسماء الإشارة العربية القديمة، مع ما طرأ عليها من تحويرات صوتية طبيعية نتيجة التطور اللهجي واختلاف البيئات الصوتية.
كما نجد الفعل «يِزْرَط / يَسْرَط» بمعنى يبلع، وهو مثال واضح على محافظة اللهجات على الفعل الفصيح سَرَطَ، الوارد في المعاجم بمعنى ابتلع الشيء، مع اختلاف في النطق ناتج عن ظواهر الإبدال الصوتي المعروفة في اللهجات.
أما الفعل «يِحَاوِز» بمعنى يزاحم أو يزيح أو يدفع، فهو متصل بالجذر (ح و ز) الدال على الضمّ والجمع والإبعاد، وهو جذر عربي فصيح حافظت عليه اللهجات في استعمالها اليومي، مع توسّع دلالي يتناسب مع السياق الاجتماعي.
وتأتي أفعال مثل «اتمرمط / اتمرمد» بمعنى تبهدل أو تلطّخ أو تردّت حاله، لتؤكد أن التشابه لا يقتصر على الأسماء أو الأفعال البسيطة، بل يشمل صيغًا صرفية مركبة، كثير منها يرتبط بالحركات والسلوكيات اليومية، وهي أكثر المجالات مقاومة للاندثار اللغوي.
وبناءً على ذلك، فإن النظر إلى اللهجة الجزائرية – وسائر لهجات المغرب العربي – باعتبارها لغات مستقلة أو أنظمة غير عربية، يُعد تبسيطًا مخلًّا بالواقع اللساني. فهذه اللهجات، على اختلاف لكناتها ومسارات تطورها، تظل في بنيتها العميقة امتدادًا حيًّا للعربية، وتحمل في معجمها وصرفها شواهد كثيرة على وحدة الأصل، كما يظهر جليًا في التقاطعات المعجمية بينها وبين لهجات يمنية عريقة.