آخر تحديث :الإثنين-02 فبراير 2026-09:53م

اليمن بين لحظة الحسم واستعادة الدولة..

الخميس - 15 يناير 2026 - الساعة 11:16 ص
محمد العنبري

بقلم: محمد العنبري
- ارشيف الكاتب



تقف اليمن اليوم على مفترق تاريخي بالغ الحساسية مفترق لا يقبل أنصاف الحلول ولا يحتمل حسابات التردد أو سياسات تدوير الأزمات إنها لحظة فاصلة يتحدد فيها المصير بوضوح إما دولة واحدة بقرار سيادي جامع، وإما فوضى مفتوحة تلتهم ما تبقى من الحلم الوطني وتبدد ما تبقى من معنى للجمهورية والوطن لم يعد المشهد يحتمل المناورة فالتجربة الطويلة مع التشظي أثبتت أن تعدد مراكز القرار، وتكاثر التشكيلات المسلحة خارج إطار الدولة لا ينتج إلا مزيدًا من الضعف والانقسام ويحول الوطن إلى ساحة صراع مفتوحة على كل الاحتمالات السوداء.


لقد دفعت اليمن ثمنا باهظا لغياب الدولة ثمنا في الأمن والاقتصاد والكرامة الإنسانية وثمنا في تآكل الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم ومع كل عام يمر، يتأكد أن استمرار هذا الوضع ليس مجرد أزمة داخلية بل تهديد مباشر لأمن المنطقة بأكملها إذ لا يمكن لوطن ممزق أن يكون عنصر استقرار، ولا لفراغ سياسي وأمني أن يبقى محصورا داخل حدوده ومن هنا فإن استعادة الدولة في اليمن لم تعد مطلبا وطنيا فحسب بل ضرورة إقليمية لا تحتمل التأجيل.


وفي خضم هذا المشهد المعقد يبرز الدعم الصادق والمسؤول من المملكة العربية السعودية بوصفه عاملًا محوريا في صناعة الفرصة التاريخية المتاحة اليوم دعم لا يقوم على إدارة الفوضى، بل على السعي الجاد لتجفيف منابعها ولا يراهن على التوازنات الهشة بل على بناء دولة قوية قادرة على فرض القانون وحماية سيادتها هذا الدعم، حين يقابل بإرادة يمنية صلبة يمكن أن يشكل رافعة حقيقية لإعادة لُحمة الصف الوطني وترميم ما تصدع من الثقة والانطلاق نحو مشروع وطني جامع يتجاوز الحسابات الضيقة والانتماءات المتشظية.


إن جوهر هذه اللحظة يتمثل في بناء جيش ومؤسسات وطنية لا ولاء لها إلا لليمن جيش يحتكر السلاح باسم الدولة، ومؤسسات تدار بالكفاءة لا بالمحاصصة وبالقانون لا بالمزاج فالدولة لا تستعاد بالشعارات بل بقرارات شجاعة تعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، وتضع حدا نهائيًا لكل أشكال الازدواج في السلطة والقرار وكل تأخير في حسم هذا المسار لا يعني سوى منح الفوضى مزيدا من الوقت لتترسخ وتتمدد.


إن اغتنام هذه اللحظة التاريخية لا يعني إنقاذ اليمن من الانهيار فحسب بل يعني إعادة بعث الأمل في نفوس اليمنيين الذين أنهكتهم الحروب والأزمات وأثقلتهم المعاناة اليومية يعني أن يشعر المواطن بأن هناك أفقا وأن الدولة ليست مجرد اسم، بل كيان حاضر يحميه ويصون حقوقه ويمنحه معنى للانتماء كما أن نجاح هذا المسار سيبعث برسالة واضحة إلى الإقليم والعالم مفادها أن الدول مهما طال غيابها يمكن أن تعود متى ما توفرت الإرادة الصادقة والشراكة المسؤولة.


اليوم وأكثر من أي وقت مضى تحتاج اليمن إلى شجاعة القرار لا إلى مهارة الالتفاف، وإلى مشروع وطني جامع لا إلى صفقات مؤقتة إنها لحظة اختبار حقيقي للجميع للقيادة، وللنخب وللقوى السياسية والعسكرية فإما أن يكونوا على مستوى هذه اللحظة التاريخية، أو يسجل التاريخ أنهم فرطوا بفرصة نادرة لإنقاذ وطن كان يمكن أن يستعاد وفي النهاية تبقى الحقيقة الأوضح أن الدولة حين تستعاد يستعاد معها الأمل وتبدأ رحلة الخروج من الظلام نحو وطن يستحقه أبناؤه.


محمد العنبري