في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس الأوطان بمواقف الأفراد المعزولة، ولا تُختزل المسيرة الطويلة في عثرة عابرة، كما لا يُختزل الإنسان في ساعة ضعف، ولا يُمحى تاريخ كامل بقرار اتُّخذ تحت ضغط زمن مضطرب وواقع ملتبس.
فالوطن، حين يكون كبيراً يتسع لأبنائه جميعاً ويتسع أكثر لفكرة التسامح والإنصاف ورد الإعتبار.
أمل كعدل ليست حدثاً عابراً في الذاكرة اليمنية، ولا صوتاً طارئاً على الوجدان العام.
هي ابنة معاناة حقيقية، خرجت من رحم الفقر والقسوة، ومن عجن الليل وبرد الفجر، ومن طفولةٍ كُبرت قبل أن تُمنح حق الصغر، لتصعد بصوتها النقي درجات الفن خطوة خطوة، دون ترف أو حماية، حاملة معها وجع الناس وبساطتهم وأحلامهم. هذا الرصيد الإنساني قبل الفني لا يمكن أن يُلغى، ولا يجوز أن يُختصر في موقف سياسي عابر، مهما كان قاسياً أو ملتبساً.
غنّت أمل للجمهورية، وغنّت للوحدة، وغنّت لليمن بوصفه فكرة جامعة لا نشيداً موسمياً.
صوتها تشكّل في زمن كانت فيه الأغنية فعل إنتماء، وكانت المنصة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون أضواء وتصفيقاً.
وحين انزلقت اللحظة، وانكسر المشهد العام، وصعدت في ظرف مرتبك، فإن السؤال الأهم ليس... لماذا غنّت؟ بل... لماذا ننسى كل ما غنّت من أجله سابقاً؟
إن قسوة التنمّر، وشهوة التوبيخ، ومحاكمات النوايا بأثر رجعي، لا تصنع وطناً، ولا تُنقذ قضية، ولا تُعيد حقاً.
ما تصنعه فقط هو مزيد من الإنكسار الإنساني، ومزيد من القطيعة بين الذاكرة والإنصاف.
والفن، بطبيعته، أكثر هشاشة من أن يُجلد، وأكثر صدقاً من أن يُستعمل أداة إدانة دائمة.
إلى اليمنيين جميعاً، لسنا مطالبين بتبرير الأخطاء، لكننا مطالبون بالعدل.
ولسنا ملزمين بتقديس الأشخاص، لكننا ملزمون باحترام تاريخهم.
والفرق بين النقد والتشفي هو الفرق بين دولة الغد وغرائز الفوضى.
إن الترفع عن تصفية الحسابات، والتسامح مع زلات الأفراد، هو ما يمنح القضايا الكبرى معناها الأخلاقي الحقيقي.
وإلى أمل كعدل، بصفتها فنانة وإنسانة قبل أي توصيف آخر... لا يُقاس العمر بعدد السنين، بل بما تركه الصوت في الذاكرة. وما زال صوتك حاضراً في وجدان اليمنيين، لأن الفن الصادق لا يسقط بسقوط العناوين الطارئة، ولا ينهزم بانهيار الكيانات المؤقتة.
يذهب الأشخاص، وتتبدل الاصطفافات، وتسقط المشاريع، ويبقى اليمن، ويبقى الجنوب، وتبقى الوحدة فكرة، ويبقى الفن شاهداً لا يُزوَّر.
ليس مطلوباً منك اعتذار علني بقدر ما هو مطلوب من المجتمع اعتذار أخلاقي عن قسوة الإلغاء.
وليس مطلوباً منك دفاع، فالتاريخ وحده كفيل بالإنصاف.
ما يحتاجه المشهد اليوم هو أن نُخرجك من حرج الصمت، ومن دائرة التجريح، وأن نعيد الصوت إلى مكانه الطبيعي... مساحة للجمال، لا ساحة للرجم.
هكذا فقط نكون أوفياء لليمن الذي نحلم به... وطن يتعلم من أخطائه دون أن يفترس أبناءه، ويحاسب دون أن يُهين، ويتذكر دون أن يُقصي. ففي النهاية، لا ينتصر وطن يُحطّم رموزه، ولا يشفى جرح يُفتح كل يوم باسم الحقيقة.