(كلا، والله لا يُخزيك الله أبداً…)
ليست هذه الكلمات الخالدة مجرد شهادة في حق النبي محمد ﷺ، بل مبدأ أخلاقي عام، ومعيار لكرامة الإنسان وقيمة الموقف. فهي تؤكد أن العزة لا تُبنى بالقوة ولا بالمناورة، بل بالصدق، ونصرة الحق، وتحمل المسؤولية تجاه الناس.
وحين تتحول هذه القيم إلى ممارسة عملية، فإنها تصنع إنساناً حراً في قراره، ودولةً تستند إلى الأخلاق قبل أن تستند إلى المؤسسات. فالدولة التي تقوم على الصدق، وحمل أعباء الضعفاء، وصلة الناس، ونصرة المظلوم، هي دولة مرشحة للبقاء مهما اشتدت عليها العواصف.
ومن هذا المعنى يمكن قراءة تجربة الأستاذ أحمد بن أحمد الميسري كنموذج معاصر لتحويل الأخلاق إلى موقف وطني. فمنذ تعيينه نائباً لرئيس الوزراء ووزيراً للداخلية في ديسمبر 2017م، شهدت عدن محاولات جادة لتطبيع الحياة العامة، وتعزيز الأمن، واستعادة حضور الدولة وهيبتها. لم تكن إدارته شكلاً بروتوكولياً، بل سعياً لإعادة الدولة إلى المجال العام، وربط الأمن بالاستقرار والتنمية، وبعث الأمل بإمكانية استعادة سيادة القانون في المناطق المحررة.
وجاءت هذه التجربة في ظرف بالغ التعقيد: فوضى أمنية، انتشار للسلاح، اغتيالات سياسية، حرب مفتوحة على جبهات متعددة، وضعف في ولاء بعض التشكيلات الأمنية والعسكرية للسلطة المركزية، إضافة إلى انقسامات سياسية واستقطاب داخلي وخارجي حاد. وهي ظروف جعلت أي مشروع لبناء نموذج دولة حقيقي مغامرة شديدة الخطورة.
وفي هذا السياق، تميز الرجل بالصراحة والوضوح، وهي خصلة لا تنسجم مع منطق البراغماتية السياسية القائمة على الغموض والمساومات. غير أن صراحته لم تكن تهوراً، بل تعبيراً عن انسجام بين الموقف والفعل، وعن قناعة بأن السياسة يمكن أن تكون ممارسة أخلاقية لا مجرد لعبة مصالح. وقد كلّفته هذه الصراحة أثماناً سياسية، لكنها منحته في المقابل رصيداً أخلاقياً وشعبياً ثابتاً.
ولم يتوقف دوره عند الإطار الأمني والإداري، بل امتد إلى البعد الإنساني للمسؤولية. فعمل على توجيه فوائض وزارة الداخلية لخدمة الناس، ومعالجة قضايا المرضى والفقراء والمحتاجين، دون تمييز أو حسابات سياسية. فصار المنصب عنده وسيلة للعون لا أداة للنفوذ، وتجسدت عملياً معاني تحمل الكل، وكسب المعدوم، والإعانة على نوائب الحق.
هذا السلوك أكسبه احترام الخصوم قبل الأصدقاء، لأن المواقف الصادقة وحدها هي التي تصنع الثقة العامة. وحين تكالبت عليه قوى الفوضى والمصالح المعادية لبناء الدولة، واجه ذلك بثبات، ورفض الخضوع للإملاءات أو المساومة على كرامته وموقفه الوطني. خرج من موقعه ثابتاً على قناعته، مرفوع الرأس، لا منكسراً ولا نادماً.
وهنا يتجسد معنى قول السيدة خديجة رضي الله عنها: «كلا، والله لا يُخزيك الله أبداً». فمن جعل حياته في خدمة الناس ونصرة الحق، لا يكون مآله خزيًا، مهما تبدلت المواقع وتكاثرت المؤامرات. الخزي الحقيقي لمن خان وارتهن وباع قراره، أما من ثبت على مبدئه فكرامته محفوظة، وشهادته مكتوبة في وجدان شعبه وتاريخ وطنه.
ذلك هو جوهر الفكرة: حين تتحول الأخلاق إلى موقف وطني، تصبح السياسة مجالاً للكرامة لا سوقاً للمساومات، ويغدو المنصب أداة لخدمة الإنسان لا وسيلة لابتزازه. ومن ينجح في هذا الامتحان، ولو خسر موقعه، فقد ربح نفسه، وربح احترام الناس، وربح وعد السماء:
كلا… لن يُخزيك الله أبداً.