كتب/ شاهر سعد الحميدي
في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، وتراجعت فيه القيم أمام المصالح، يبرز اسم اللواء محمود الصبيحي كاستثناء وطني نادر، وكحالة قيادية لا تُقاس بالمناصب بقدر ما تُقاس بالمواقف.
محمود الصبيحي ليس مجرد رجل عسكري يمتلك عقيدة قتالية وانضباطًا مؤسسيًا صارمًا، بل هو قبل ذلك وبعده إنسان ممتلئ بالإنسانية، رجل تشهد له سيرته قبل خطاباته، وتحكي عنه الوقائع لا الشعارات. فمن يعرفه عن قرب يدرك أن الشجاعة لديه ليست اندفاعًا، بل وعيٌ بالمسؤولية، وأن الحزم عنده لا ينفصل عن النزاهة، ولا القوة عن الأخلاق.
لقد مثّل الصبيحي نموذجًا نادرًا للقائد الذي لم تفسده السلطة ولم تساومه المناصب.
رجل وطني مخلص، بسيط في سلوكه، عميق في فهمه، واضح في مواقفه، لا يجيد المهادنة مع الظلم، ولا يعرف الرمادية حين يتعلق الأمر بمصلحة الوطن. ولهذا كان – ولا يزال – عدوًا لدودًا للإرهاب، ليس لأنه حمل السلاح ضده فقط، بل لأنه واجهه كفكر، ورفض أن يكون جزءًا من أي تسوية تنتقص من كرامة الدولة أو دماء أبنائها.
ما يميز محمود الصبيحي حقًا هو مبدئيته الصلبة؛ فهو القائد الذي يتعامل مع الواقع بعقلانية وحكمة، دون أن يفرّط بالثوابت. يتلقى التوجيهات، نعم، لكنه لا ينفذ إلا ما يخدم الوطن. أما إن كان التوجيه – مهما علا مصدره – يستهدف مصلحة حزبية أو شخصية، أو يضر بالمصلحة العامة، فإن الصبيحي يرفضه بوضوح وشجاعة، واضعًا الوطن فوق الجميع.
ولهذا، لم يكن الإجماع الوطني حوله وليد دعاية أو ظرف عابر، بل نتيجة طبيعية لمسار طويل من النزاهة والتضحية. إجماع يرى فيه الرجل الأول القادر على قيادة البلاد في مرحلة تحتاج إلى قائد دولة لا زعيم مرحلة، وإلى رجل مؤسسات لا تاجر سياسة.
إن الحديث عن محمود الصبيحي ليس ترفًا إعلاميًا، بل ضرورة وطنية. فهو يمثل ما يفتقده اليمن اليوم: قائدًا أخلاقيًا، وطنيًا، شجاعًا، وغير قابل للاحتواء أو الابتزاز. رجل إذا قال فعل، وإذا وعد وفى، وإذا اختلف فعل ذلك بشرف.
وفي وطن أنهكته الصراعات، تبقى أمثال هذه القامات هي الأمل الحقيقي، لا لأنها معصومة من الخطأ، بل لأنها صادقة في الانحياز لليمن… فقط اليمن.
كاتب وناشط حقوقي