الرياضة عالميًا هي وسيلة للترفيه، إلا في الوطن العربي، فإن حالنا فيها كحالنا في السياسة، وهزيمة الفرق العربية في كأس أفريقيا الأخيرة تشهد بأن العرب، مهما اجتهدوا، فإن مصيرهم الهزيمة، والأسوأ هو تسييس الهزيمة كما رأينا بعد خسارة مصر أمام السنغال، عندما اتُّهمت المغرب بسوء التنظيم.
وحتى المغرب، عندما خسرت النهائي، قوبلت الهزيمة باحتفالات جماهيرية واسعة في كل الدول التي خرجت منتخباتها قبل النهائي، وفي ذلك أكبر تحفيل شماتة في العالم، وليس سوى العرب يفعلونها، وقد رأينا الأفارقة في 2010 يشجعون غانا التي وصلت إلى ربع النهائي، ولم تغضب الجماهير المضيفة بعد خروج فريقها من الدور الأول، وهذا هو المفترض، فالرياضة وسيلة لتوحيد الشعوب لا لتفريقها أكثر مما فرقتها السياسة.
الغريب في الأمر أن العرب لا يغضبون إذا كانت هزيمتهم على يد فريقٍ من غير العرب، فحساسية الخسارة تنشط فقط فيما بينهم، كما أن الخاسر لا يذهب لتشجيع فريق عربي آخر، بل يتمنى خروج من تبقى من العرب، فجماهير السودان تمنت خروج الجزائر، وجماهير الجزائر تمنت خروج مصر، وجماهير مصر احتفلت بهزيمة المغرب، وهكذا دواليك.
ثم إن العرب إذا ذهبوا إلى كأس العالم عادوا مثقلين بالهزائم، ولا ضرر في ذلك، لكن عادة العرب اتهام خصومهم بالتآمر ورشوة الحكام، وبهذا أبدعوا في تحويل المناسبات الرياضية العالمية من الترفيه إلى وجعٍ للقلوب وحرقٍ للدم، وكأن الأمة لا تشكو من كل أشكال الكوارث السياسية وغير السياسية.
والأدهى هي استدعاء الخلافات السياسية بين الدول العربية إلى الملاعب، فيُنظر إلى المباراة باعتبارها «معركة كرامة وطنية» فتُحمَّل النتائج أبعادًا سياسية ورمزية تفوق وزنها الرياضي الطبيعي. ويظهر ذلك بوضوح في الخطاب الإعلامي الذي يسبق المباريات الحساسة، حيث تُستحضر ملفات الخلاف السياسي أو التاريخي بين الدول، وتُقدَّم المباراة على أنها ثأرٌ مؤجل أو اختبارٌ للهيبة الوطنية، لا مواجهة كروية تخضع لمعايير الفوز والخسارة.
وقد شهدت الساحة العربية غير مرة حملات إعلامية متبادلة قبل وأثناء البطولات القارية، تحوّل فيها التحليل الرياضي إلى منصات اتهام وتشكيك، وجرى ربط أخطاء التحكيم أو قرارات التنظيم بنوايا سياسية مسبقة. كما انعكس هذا التسييس على الجماهير، التي انتقلت من التشجيع الرياضي إلى الاصطفاف السياسي، فباتت الهزيمة تُقرأ باعتبارها إهانة وطنية، والفوز يُقدَّم كإنجاز سياسي أو صفعة للخصم، لا كنتيجة طبيعية لتفوق فني أو تكتيكي.
ومن الشواهد اللافتة أن بعض المواجهات العربية – العربية تُعامل إعلاميًا وجماهيريًا بحساسية مضاعفة مقارنة بالمباريات أمام منتخبات من خارج الإقليم، حيث تتصاعد حدة التوتر والاتهامات، بينما يغيب هذا الاحتقان نسبيًا في حال الخسارة أمام فرق أجنبية. ويكشف ذلك أن المشكلة ليست في الخسارة ذاتها، بل في إسقاط الصراع السياسي على المجال الرياضي.