آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-04:42م

لماذا تغير النشيد الجنوبي..؟

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 11:18 ص
ماجد عبدالله الناصري

بقلم: ماجد عبدالله الناصري
- ارشيف الكاتب


بقلم: ماجد عبدالله الناصري


الحقيقة التاريخية التي يحاول البعض القفز عليها اليوم هي أن الجنوبيين هم من بادروا للوحدة ونشدوها، وأن علي سالم البيض هو "صانع الوحدة" الحقيقي وليس علي عبدالله صالح- رحمهما الله جميعا- لم تكن هناك دولة بالمفهوم الانفصالي الحديث اسمها "الجنوب" أو أن هناك هوية مختلفة، بل كانت "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وكان نشيدنا الوطني الذي يصدح في الطوابير الصباحية هو: "رددي أيتها الدنيا نشيدي.. ردديه وأعيدي وأعيدي"

كنا نردد كل صباح وداخل المعسكرات بشغف: "بالروح بالدم نفديك يا يمن" كان الشعب واحداً في الوجدان والمصير، وأتحدى أي شخص أن يثبت أن الشماليين كانوا يدخلون المحافظات الجنوبية بتأشيرة أو حتى ببطاقة هوية؛ فالاختلاف الوحيد حينها كان أيدولوجياً سياسياً بين نظام شيوعي في عدن وآخر رأسمالي (قبلي) في صنعاء، وليس اختلافاً في الهوية الوطنية.


أما بالعودة إلى ما قبل التحرير في عام 1967م، فلم تكن هناك دولة جنوبية موحدة، بل كانت المنطقة عبارة عن دويلات وسلطنات من صنع الاحتلال البريطاني، والحقيقة الجغرافية والسياسية الدامغة هي أن حضرموت والمهرة وشبوة كانت خارج نطاق ما سمي باتحاد الجنوب العربي.


بصراحة، إن الوهم الذي تعيشه النخب اليوم مخيف للغاية؛ فعدم قراءة التاريخ بوعي، والتمترس خلف عقدة الضحية وسردية المظلومية المستمرة، أدى إلى حبس الوعي الشعبي في قوقعة تاريخية ضيقة، تغلق الأبواب أمام أي حقيقة مغايرة وتجعل استيعاب فكرة الحل المنصف مستحيلاً؛ لأن العدالة في نظر هؤلاء لا تتحقق إلا بإلغاء الآخر تماماً.

​وهذا الانغلاق المعرفي فتح ثغرة للأطماع، وهي ثغرة لا تختلف في جوهرها عن ثغرة الزيدية السياسية في الشمال، التي ظلت تتغنى بالسيادة كشعاراً، بينما مارست عملياً تدمير المناعة الوطنية، وفشلت في تقديم مشروع وطني جامع يُقنع اليمنيين، واستبدلته بمشروع سلالي شاذ عن العصر ومنطق الدولة؛ ولأن مثل هذا المشروع الغريب لا يمكن أن ينمو في بيئة طبيعية ولا يمرر بالإقناع، فقد احتاجوا إلى فرض حالة حرب دائمة لتبرير القمع وتخوين معارضيهم، وهذا التمزق الذي أحدثوه في النسيج الاجتماعي هو الذي تحول إلى دعوة مفتوحة استجلبت مقاتلات العالم لتدمير مقدرات الشعب لحماية هذا المشروع، ليتضح أن من يصرخ بالسيادة هو ذاته من هدم أسوار الوطن وفتح الباب بمصراعيه للعدوان الخارجي.


لنعود إلى الجنوب وللأمانة فإننا نشهد تخبطاً واضحاً وسط فراغ سياسي وفكري، حيث يتم تعبئة الأجيال الجديدة بشكل عنصري ومناطقي مقيت، أثر بشكل مدمر حتى على النسيج الجنوبي-الجنوبي ذاته؛ فالعنصرية والمناطقية أمراض فتاكة قد تصيبنا في مقتل قبل أن تصل للآخرين وبدون وعي.

فلكم أن تتخيلوا أن هذه الأجيال الناشئة لا تعرف حتى أن النشيد الوطني (رددي) هو نشيد دولتهم السابقة "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، وأن النشيد الذي يتم ترديده اليوم (موطني) هو إنتاج حديث للحضرمي حسين بايعشوب الذي لحنه، وكتب كلماته محمد بن داؤد في عام 2012م، ولا علاقة له بإرث الدولة الجنوبية السابقة كما يعتقد الغالبية العظمى.

أما في الشمال فحدث ولا حرج، فالسيناريو هناك أسوأ بكثير وأشد ظلمة، فعبدالملك الحوثي يمارس أسوأ احتلال عرفه التاريخ، وهو "احتلال ذاكرة الأجيال" لم يعد الأجيال هناك يدركون معنى الحرية، ويتم ترسيخ خرافة أن عبدالملك هو ظل الله أو ابن رسوله، في تجسيد لعنصرية سلالية بغيضة وتدجين للناس بشكل لا إنساني البتة، يمسح كرامة اليمني ويحوله إلى مجرد تابع لا يستخدم حتى 5% من وعيه.

وخلاصة الأمر، لن تنهض هذه البلاد، شمالاً أو جنوباً، إلا بجيل واعي يقرأ تاريخه بتجرد، ويستدعي الماضي ليس للانتقام وتصفية الحسابات، بل لاستشراف المستقبل وإصلاحه وبناء وطن يتسع للجميع.