آخر تحديث :الخميس-22 يناير 2026-11:27م

صرف الرواتب ليس مكرمة… بل حق دستوري مؤجل

الخميس - 22 يناير 2026 - الساعة 05:03 م
عدنان زين خواجه

بقلم: عدنان زين خواجه
- ارشيف الكاتب


/عدنان زين خواجه


في ظل الظروف الاقتصادية الخانقة التي يعيشها المواطن، يبرز ملف الرواتب كأحد أكثر الملفات إلحاحًا وحساسية. فبعد إعلان دولة المملكة العربية السعودية – مشكورة – عن تقديم تعزيز مالي لدعم صرف رواتب القطاعات الحكومية العسكرية والأمنية والمدنية، كان من المتوقع أن تُترجم هذه الخطوة سريعًا إلى واقع ملموس في حسابات الموظفين، لا أن تبقى حبيسة الإجراءات والتبريرات.

الحديث هنا لا يدور حول منحة طارئة أو مكرمة استثنائية، بل عن استحقاقات مالية متأخرة لموظفين أدوا واجباتهم في أصعب الظروف. الكشوفات معدة سلفًا، والبيانات محفوظة، والآليات معروفة، والتعزيز – بحسب ما أُعلن – متوفر. إذًا، ما الذي يبرر استمرار التأخير والمماطلة؟

الموظف اليوم لا ينتظر رفاهية، بل يسعى لتأمين الحد الأدنى من متطلبات أسرته. راتبان متأخران في ظل الانهيار المستمر للعملة وارتفاع الأسعار لا تكفي قيمتهما الشرائية لتغطية احتياجات أسبوعين من المواد الغذائية الأساسية. في المقابل، يعيش كثير من المسؤولين برواتب وامتيازات تُصرف بالعملة الصعبة، ما يجعل الفجوة بين متخذ القرار وصاحب المعاناة فجوة مؤلمة تتسع يومًا بعد آخر.

الرواتب ليست مِنّة من أحد، وليست تفضّلًا من سلطة على مواطنيها. إنها حق قانوني ودستوري، وركيزة أساسية لاستقرار المجتمع. وحين تتحول إلى ورقة ضغط أو ملف يخضع للتسويف، فإن الرسالة التي تصل للمواطن هي أن معاناته ليست أولوية.

الديون تتراكم على الموظفين، وكثير منهم بات عاجزًا عن سداد التزاماته، فيما تلتهم الأسعار ما تبقى من قدرته الشرائية. الأمل البسيط الذي يراود المواطن اليوم هو أن يأتي تاريخ محدد في كل شهر، فيتوجه إلى حسابه البنكي ليجد راتبه مودعًا دون مناشدات أو بيانات أو وعود متكررة. هذا الإجراء البسيط لن ينتقص من امتيازات أحد، ولن يزاحم رواتب المسؤولين، لكنه سيعيد شيئًا من الثقة المفقودة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

مرّت عشرة أيام منذ الإعلان عن تعزيز بقيمة 90 مليون دولار، ولا يزال الموظف ينتظر. الانتظار في حد ذاته أصبح عبئًا نفسيًا ومعيشيًا، في وقتٍ لم يعد يحتمل مزيدًا من الضغوط.

إن إدارة ملف الرواتب بكفاءة وشفافية تمثل اختبارًا حقيقيًا لمدى جدية الحكومة في التخفيف من معاناة الناس. فالمواطن الذي صبر سنوات على تدهور الخدمات وانهيار العملة وارتفاع الأسعار، يستحق على الأقل أن يحصل على راتبه في موعده، دون أن يشعر أنه يتسول حقًا هو في الأصل له.

المرحلة الراهنة تتطلب قرارات عملية سريعة، لا بيانات مطمئنة فقط. فاستقرار الرواتب هو استقرار للأسر، واستقرار الأسر هو أساس أي استقرار اقتصادي أو اجتماعي منشود.