نحن لا نريد أن تتحول الملفات التي يُفترض أن تحظى بدعمٍ صادق من المملكة العربية السعودية في اليمن إلى أوراق ضغط سياسية، أو أن تُستخدم ضمن سياق التجاذبات الإقليمية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وقد تابعنا – كما تابع غيرنا – ما صدر عن بعض الأقلام من تساؤلات أو تلميحات من قبيل: ماذا لو تم تشغيل ميناء عدن بطاقته القصوى؟ وكيف سينعكس ذلك على ميناء جبل علي؟
ومن هنا، فإننا نؤكد أن المطلوب من المملكة العربية السعودية، وكما عهدناها دائمًا، هو دعم اليمن ودعم استقراره الاقتصادي، وتذليل كافة الصعوبات والعوائق التي قد تكون فُرضت أو ما زالت مفروضة على ميناء عدن، بعيدًا عن أي مناكفات سياسية أو تلميحات باستخدام هذا الملف كورقة ضغط. فالخشية الحقيقية تكمن في أن يتم لاحقًا – في حال عودة العلاقات إلى مساراتها الطبيعية مع دولة الإمارات – إعادة الوضع إلى ما كان عليه سابقًا، بما يؤدي إلى تهميش ميناء عدن مرة أخرى وإقصائه عن دوره الطبيعي كميناء محوري واستراتيجي.
كما أؤكد أن الحديث هنا لا يقتصر على ميناء عدن وحده، بل يشمل كافة مصادر الدخل السيادي للحكومة اليمنية. ونأمل أن يحظى ملف تصدير النفط والغاز بدعم حقيقي ومستدام، بما يمكّن الدولة من استعادة قدرتها على الوفاء بالتزاماتها. وفي هذا السياق، فإننا لا نطالب بدعمٍ على شكل ودائع مالية، مع بالغ الشكر والتقدير للمملكة العربية السعودية على كل ما قدمته وتقدمه لليمن، لكننا نؤمن أن اليمن اليوم قادر على الاعتماد على نفسه متى ما أُزيلت العوائق، وتوقفت حالة تبادل الاتهامات التي كانت تُوجَّه تارة إلى دولة الإمارات، وتارة أخرى إلى المجلس الانتقالي الجنوبي.
لقد آن الأوان لأن تتحمل الدولة اليمنية مسؤولياتها كاملة، وأن تعمل على تأمين احتياجاتها من مواردها الذاتية. ولسنا بحاجة إلى مساعدات خارجية إذا ما قامت الحكومة بدورها كما ينبغي، وهو ما أثبته معالي رئيس الوزراء السابق سالم بن بريك خلال فترة وجيزة، حين كشف بوضوح مكامن الخلل وحدد مسؤوليات مختلف الأطراف، سواء داخل الحكومة أو في الداخل أو حتى ضمن التحالف.
وفي هذا الإطار، لا يمكن الحديث عن أي استقرار اقتصادي أو إداري حقيقي دون محاربة جادة للفساد المالي والإداري، عبر وضع آلية واضحة وشفافة، وتفعيل مبدأ المساءلة القانونية دون استثناء، وبصورة علنية، بما يضمن محاسبة كل من يثبت تورطه أياً كانت الجهة أو الموقع. فمكافحة الفساد ليست خيارًا، بل شرطًا أساسيًا لاستعادة ثقة المواطن وتعظيم موارد الدولة.
كما نؤكد على أهمية وضع استراتيجية عاجلة – أو تفعيل ما تم إقراره سابقًا – لتوحيد وتنظيم هيكل الرواتب، وبصورة سريعة ومنصفة، وعلى رأسها رواتب المعلمين، وكذلك بقية العاملين في القطاعات المدنية والعسكرية، فجميعهم اليوم فئات مظلومة. ولا يمكن الحديث عن استقرار أو تحسن في الأوضاع المعيشية في ظل الازدواجية والخلل الواضح في آليات صرف الرواتب. كما نؤكد على ضرورة أن تتم عملية صرف الرواتب بالعملة اليمنية، لما لذلك من دور مباشر في تعزيز الاقتصاد الوطني، ودعم استقرار العملة، وتقليل التشوهات المالية القائمة.
وعليه، فإن المرحلة الحالية تتطلب موقفًا واضحًا يثبت أن المملكة العربية السعودية بعيدة كل البعد عن أي سياسات ضغط، وأنها داعمة بصدق لإعادة الاعتبار لميناء عدن. كما نطالب بإسناد إدارة الميناء إلى شركة عالمية متخصصة، تتولى تشغيله وتطويره وتنفيذ خطط التوسعة الاستراتيجية التي كانت معتمدة سابقًا، بما في ذلك ربطه بميناء الزيت في البريقة، وفق رؤية اقتصادية طويلة المدى.
كذلك، نطالب الحكومة اليمنية بالإعلان الصريح عن عدن كمنطقة حرة كاملة، على أن يتم – كمرحلة أولى – نقل مقر جمارك الميناء إلى نقطة العلم ونقطة الرباط، تمهيدًا للتوسع لاحقًا وضم محافظتي لحج وأبين إلى نطاق المنطقة الحرة، وفق الرؤية التي كانت مطروحة عند إنشاء ميناء عدن للحاويات عام 2018.
وفي الختام، نجدد شكرنا وتقديرنا للمملكة العربية السعودية على دعمها المستمر لليمن، ونؤكد أن المرحلة القادمة يجب أن تتجه بوضوح نحو العمل الجاد، والتوقف عن أي مناكفات سياسية، وإلغاء أي لغة تصعيدية، والدعوة إلى التسامح، واعتماد لغة الحوار والعقل. مع التشديد في الوقت ذاته على محاسبة أي أشخاص أو جهات يثبت تورطهم في أعمال مخلة أو ممارسات تضر بالنسيج الوطني، بما في ذلك متابعة ورصد أي أطراف تستخدم بعض المنابر لنشر العنصرية أو خطاب الكراهية.
وعليه، فإن الواجب الوطني يقتضي دعوة الجميع إلى تحمّل مسؤولياتهم، وأن يكتبوا بما يخدم الوطن ويجمع الصف، أو ليلتزموا الصمت.
بقلم/ أحمد الخضر مقعص