ما جرى في عدن ليس حادثًا أمنيًا عابرا ولا رسالة تحذير كما يحاول البعض تبسيطه، بل محاولة اغتيال سياسية مكتملة الأركان استهدفت مشروع الدولة من بوابته الأمنية فالعميد حمدي شكري لم يُستهدف لأنه ضابط عادي
بل لأنه بات يمثل اليوم الرقم الصعب في معادلة استعادة المؤسسات. فشخصية العميد شكري، قائد الفرقة الثانية عمالقة وقائد الحملة الأمنية في الصبيحة ولحج، اكتسبت ثقلاً استثنائياً منذ تكليفه بمهمة كسر المحظور وتوحيد القرار الأمني في مدينة وريف اعتادا أن يُدارا بالفوضى والسلاح المنفلت.
إن نجاحاته الملموسة في تطهير مناطق حيوية من عصابات التهريب والجريمة المنظمة، جعلت منه عدواً طبيعياً لكل من يرى في استقرار الدولة تهديداً لمصالحه الخاصة.
ولم يكن وصف مجلس القيادة الرئاسي للهجوم بأنه إرهابي توصيفًا إنشائيًا، بل إعلانًا واضحًا بأن الدولة باتت ترى في هذه الأفعال عدوًا وجوديًا، لا شريكًا سياسيًا ولا خلافًا قابلًا للاحتواء، فالإرهاب هنا ليس تفجيرًا أعمى فقط، بل كل سلاح يُرفع في وجه الدولة حين تحاول استعادة سيادتها وتكليف قيادات بوزن شكري لإنهاء تعدد مراكز القرار.
والأخطر أن هذه المحاولة جاءت في لحظة حساسة تُبذل فيها جهود حقيقية لإنهاء حالة التشظي الأمني في عدن، وهذا وحده كافٍ ليفضح المخطط؛ فهناك من لا يريد لعدن أن تكون عاصمة دولة بل ساحة نفوذ مفتوحة، ويخشى من وجود قائد أمني يعمل تحت مظلة الدولة ويضع حداً لاقتصاد السلاح والنفوذ.
وفي هذا السياق، تكشف لغة التحالف بقيادة السعودية، حين توعّد بـالضرب بيد من حديد، أن ما جرى لم يكن مفاجئًا ولا مجهول الفاعل، وهي لغة
تُستخدم عندما يصل العبث إلى حد تهديد المعسكر نفسه من الداخل، حيث يدرك التحالف أن السماح باغتيال مشروع الدولة المتمثل في تحركات شكري الأمنية يعني فتح باب صراع طويل لا رابح فيه.
أما الإدانة الأمريكية، فهي الأخطر سياسيًا فالولايات المتحدة لا تُدين هجومًا محليًا بهذا الوضوح ما لم تكن قد خلصت إلى قناعة بأن هناك قوى اقليمية منظمة تحاول فرض وقائع أمنية بالقوة، وهي رسالة واضحة بأن من يعبث بمسار الدولة لن يحظى بشرعية دولية مهما امتلك من سلاح.
إن السؤال الذي يفضح كل شيء هو لماذا حمدي شكري والإجابة تكمن في كونه يمثّل ما تخشاه قوى الفوضى؛ قائد يرفض الارتهان لغير مؤسسات الدولة الرسمية. وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الصمت المريب لبعض الأطراف
ففي لحظات فاصلة كهذه، يصبح الصمت موقفًا والحياد تواطؤًا غير معلن ومن لم يُدن استهداف هذا المشروع بوضوح إنما يراهن على إفشال الدولة دون دفع ثمن المواجهة. ما تكشفه هذه المحاولة هو أن الصراع في عدن لم يعد سياسيًا،
بل صراع على هوية المدينة والدولة؛ فإما دولة واحدة بقرار أمني واحد، أو فوضى دائمة تُدار بالاغتيالات والرسائل الدموية، ومن يصرّ على اللعب في هذه المنطقة سيُدفع إلى الهامش سياسيًا، لأن محاولة اغتيال حمدي شكري هي لحظة كاشفة؛ فإما أن تُحسم لصالح الدولة الآن، أو ستدفع عدن واليمن كله ثمن التردد طويلًا.