آخر تحديث :السبت-24 يناير 2026-12:59م

الحقيقة المُرّة…

السبت - 24 يناير 2026 - الساعة 11:02 ص
عبدالجبار باجبير

بقلم: عبدالجبار باجبير
- ارشيف الكاتب


ما جرى ويجري في حضرموت لم يكن خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا اجتهادات فردية خرجت عن سياقها، بل كان محاولة واضحة لفرض مشروع بالقوة، تحت عناوين مضلِّلة، وعلى حساب إرادة أبناء حضرموت وخصوصيتها التاريخية والسياسية. لقد كشفت الأحداث الأخيرة بوضوح طبيعة الخطاب والممارسات التي انتهجها المجلس الانتقالي الجنوبي، وفضحت التناقض بين ما يُسوَّق للرأي العام وما يُدار خلف الكواليس.

معظم قيادات المجلس الانتقالي الجنوبي (المنحل)، وإعلامييه ونشطائه، سواء المتواجدين في الرياض أو خارجها، كانوا مؤيدين لاجتياح حضرموت، وساهموا بوعي كامل في تضليل الرأي العام، عبر الإيحاء المتعمّد بأن التحالف العربي، وبالأخص الأشقاء في المملكة العربية السعودية، يقفون خلف هذا التوجّه.

ولا يزال هؤلاء ينظرون إلى حضرموت باعتبارها حقًا حصريًا وملكًا خاصًا، لا حضرموت لها تاريخها وخصوصيتها وحقوق أبنائها. وتأتي تصريحات وزير الخدمة المدنية، “الطبيب” عبدالناصر الوالي، على قناة العربية، شاهدًا واضحًا على هذه الذهنية الإقصائية.

وعندما احتدم الحوار، لجأ الوالي إلى التهرّب بقوله: أنا مدني “طبيب” ولا دخل لي بالشأن “العسكري”، وهو خطاب مراوغ يتكرر لدى آخرين متواجدين في الرياض، يبدّلون مواقفهم وفق المنابر، ويخفون قناعاتهم الحقيقية.

وللتاريخ، فإن عبدالناصر الوالي كان على تواصل مباشر مع وزراء في الحكومة، ويمارس ضغوطًا سياسية عليهم لتأييد اجتياح حضرموت، ودعم خطوات عيدروس الزبيدي في ذلك التوقيت، وهو ما ينسف ادعاءات الحياد أو عدم المسؤولية.

هؤلاء لا يريدون الاعتراف بأخطائهم، ولا تقديم أي اعتذار عمّا بدر منهم، ولا الإقرار بحقوق الحضارم ومطالبهم المشروعة، ولا حتى تسليم المتسببين في سقوط الضحايا إلى القضاء؛ لأن مشروعهم، في جوهره، مشروع هيمنة، ينظر إلى حضرموت، بل إلى مختلف المحافظات، كمساحات خاضعة لهم، لا كشركاء في وطن أو قضية.

إنهم يسعون لفرض مشروعهم بقوة السلاح، لا في حضرموت وحدها، بل حتى في عدن، في إعادة إنتاج فجة لمنطق الإقصاء واحتكار القرار.

وما يزيد المشهد قتامة، أن الحضارم المنضوين معهم لا يُنظر إليهم كشركاء حقيقيين، بل كتابعين ومنفّذين، لا أنداد ولا شركاء في القرار أو المصير.

حضرموت اليوم ليست حضرموت عام 1967م، ولن تكون ساحة مفتوحة لأي مشروع عابر. وهي اليوم في إطار حماية الأشقاء في المملكة العربية السعودية، التي كانت ولا تزال السند الحقيقي للحضارم، وضمانة لاستقرار المحافظة وأمنها.

فمشروع المجلس الانتقالي لا يتوقف عند حدود حضرموت، بل يتقاطع مع روابط دولية خطيرة، تشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي العربي، وتستهدف قادة المشروع العربي ( المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية)، ولا يقتصر خطره على حضرموت وحدها، بل يمتد ليهدد دولًا عربية أخرى.

والمؤسف أن هذا المشروع يُمرَّر تحت لافتة “القضية الجنوبية”، التي جرى اختطافها وتشويهها، وتحويلها إلى غطاء لتنفيذ مخططات لا تخدم الجنوب ولا أبناءه.

ومن هنا، فإن المسؤولية الوطنية والتاريخية تفرض على الأشقاء في المملكة العربية السعودية، وعلى مجلس القيادة الرئاسي، بقيادة فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي، التعامل بحزم ووضوح مع هذا المسار الخطير، ومنع تكراره تحت أي مسمى أو غطاء.

فالجنوب ليس ملكًا لفصيل، ولا حكرًا على جماعة، ولا يُدار بمنطق الغلبة والسلاح.

الجنوب لا يُبنى إلا على الشراكة الحقيقية والندية والاعتراف المتبادل، لا على الضم والإلحاق، ولا على فرض المشاريع بالقوة.