إلى وقت قريب كنا نتجنب الاقتراب من هذا السؤال :
ما الذي ينبغي على المعلم فعله لينتزع حقه في راتب لا يكفي لسد رمق أطفاله؟
كنا نصمت عن الاجابة، لا عجزا بل خوفا من أن يرمى صوتنا بتهمة التحريض على ايقاف التعليم، واغلاق المدارس.
وخوفا أكبر من أن يقال إننا نحن من أطفأ مصابيح المدارس،
ونحن أكثر من يعرف أن الظلام إذا دخل الصفوف طال عتمته جيلا كاملا.
شددنا الأحزمة حتى لامست بطوننا ظهورنا،
وقلنا لعلّ أحدا يشعر…
لعلّ أحدا ينتبه الى أن معلما يضحي بلقمة عيشه لا يطلب ترفا،
بل يقرع آخر أبواب الكرامة.
لكن شيئا من ذلك لم يحدث، بل وغاب المسمى راتب ولم نعد نجده، الا بالثلاثة او الاربعة الاشهر وبالقطارة!
شي ما يجتهد على المزيد من الخراب!
لا إحساس، لا التفات، لا خجل.
بينما ظل المعلم واقفا أمام السبورة يشرح الدروس بأصابع مرتجفة، فيما الجوع يرسم على جسده اثار الظلم.
كان يؤدي واجبه كمن يحرس وطنا لا يعترف بحراسه،
راتب المعلم اليوم ليس فقط الأدنى في السلم الوظيفي بل هو إهانة موثقة بالأرقام متوسط
(ستون ألفا)…
لا يصلح ان نسميه راتبا،
رقما يبقيه معلقا بين الحاجة والمهانة.
وما يسمى (حافزا) ليس إلا محاولة فاشلة
لتجميل وجه الإذلال،
يمنح للبعض ويحجب عن كثيرين،
ويقسم كما كان يقسم الخبز في زمن العبيد.
هذا ليس حديث شكوى،
بل شهادة وجع.
وصرخة دفاع عن مهنة تذبح ببطء أمام أعين الجميع
نقولها بوضوح لا لبس فيه، لا تعليم بلا كرامة المعلم،
ولا كرامة بلا راتب يكفي للعيش،
ولا عيش مع هذا الإذلال الممنهج.
إن كان إيقاف الدراسة هو اللغة الوحيدة التي تسمع، فلتتوقف .
ويتحمل من تجاهلوا الوجع تبعات الصمت الطويل.
المعلم لم يعد يملك ما يخسره،
وقد خسر بالفعل كل شيء إلا صوته.
هذه ليست دعوة للفوضى،
بل إعلان نهاية الصبر.
ومن لا يريد أن يرى المدارس مغلقة،
فليفتح أولا باب الانصاف.
من يصر على تجويع المعلم هو شريك صريح في تدمير التعليم، ومنافق لا يهمه الطالب ولا المدرسة.
إن كان لا بد من صدمة كي يسمع الصوت،
فلتقع الصدمة.
وإن كان لا بد من تعطيل كي يعاد الحساب فلتعطل.
ومن لا يريد أن يرى الفصول خاوية،
فليمل أولا بطون المعلمين بالعدل،
لا بالمسكنات .