آخر تحديث :الثلاثاء-27 يناير 2026-05:15م

حين يصبح الأداء معيارًا… سقطرى تكشف معنى الدولة، وتجربة البروفيسور خالد الوصابي تؤكد أن الإدارة قادرة

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 04:30 م
نجيب الكمالي

بقلم: نجيب الكمالي
- ارشيف الكاتب


لم تكن أزمة طلاب جامعة أرخبيل سقطرى مجرد خلل إداري عابر، بل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على حماية أحد أكثر الحقوق حساسية: حق التعليم. ففي لحظة كادت فيها تقلبات الدعم الخارجي، بعد ووقف الدعم في ظل التوترات الأخيرة، أن تتحول إلى قطيعة تعليمية تمس مستقبل مئات الطلاب، جاء تدخل وزارة التعليم العالي ليعيد تعريف معنى المسؤولية الوطنية، لا بوصفها خطابًا، بل ممارسة عملية.

التحرك السريع الذي قاده البروفيسور خالد الوصابي لم يكن معالجة إسعافية فحسب، بل كشف حقيقة أعمق طالما جرى تجاهلها: أن المشكلة في اليمن ليست دائمًا في شح الموارد، بل في غياب القرار، وأن الإدارة الجادة قادرة على تقليص الخسائر حتى في أقسى الظروف. استمرار الدراسة في سقطرى لم يكن إنجازًا إداريًا فقط، بل رسالة واضحة بأن الدولة قادرة على الفعل متى ما توفرت الإرادة.

تكتسب هذه الواقعة أهميتها في توقيت سياسي بالغ الحساسية، مع تصاعد الحديث عن تشكيل حكومة جديدة يُفترض أن تمثل مدخلًا للتصحيح. وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل التغيير يعني تبديل الأسماء، أم تغيير منطق الإدارة؟

التجربة اليمنية، بكل ما حملته من خيبات، تؤكد أن إعادة تدوير الوجوه دون مراجعة المنهج لم تنتج سوى أزمات أكثر تعقيدًا.

في هذا السياق، تبرز تجربة وزارة التعليم العالي كـ استثناء إيجابي لا يمكن القفز عليه. فبعيدًا عن الضجيج الإعلامي، شهدت الوزارة خلال السنوات الماضية إعادة اعتبار للعمل المؤسسي، وتحديثًا للأطر التنظيمية، وربطًا نسبيًا للتعليم باحتياجات التنمية وسوق العمل، إضافة إلى إعادة وضع التعليم الفني والمهني في موقعه الطبيعي كمسار إنتاجي لا خيارًا هامشيًا.

ما يميز هذه التجربة ليس شخص الوزير بحد ذاته، بل نموذج العمل الذي مثّله: وضوح في القرار، سرعة في الاستجابة، وإيمان بأن الوظيفة العامة تكليف ومسؤولية لا غنيمة سياسية. ومن هنا، يصبح الإبقاء على النماذج الناجحة فعلًا إصلاحيًا بحد ذاته، لا خروجًا عن منطق التغيير. فالتغيير الحقيقي لا يبدأ بالقطيعة مع كل ما سبق، بل بالقدرة على التمييز بين ما فشل وما أثبت جدواه.

ما جرى في سقطرى، وما سبقه من مسار مؤسسي داخل وزارة التعليم العالي، يفضي إلى خلاصة واضحة: إن بقاء البروفيسور خالد الوصابي في موقعه لم يعد مسألة أسماء أو مواقع، بل ضرورة إصلاحية تفرضها معايير الأداء. ففي مراحل التحول، لا يكون التغيير في إزاحة من يعمل، بل في تثبيت التجارب التي أثبتت قدرتها على حماية المصلحة العامة وتحويل الأزمات إلى فرص لإعادة بناء الثقة بالدولة.

إن الدولة التي تسعى إلى التعافي لا تهدم ما يعمل جيدًا لإرضاء شهية المحاصصة، ولا تستبدل الأداء بالاستعراض، بل تُراكم النجاحات إن كانت محدودة—وتحولها إلى قواعد عامة في الإدارة، وتبني على ما ثبت لا على ما جُرّب وفشل.

في المحصلة، لن يُقاس نجاح المرحلة القادمة بعدد الوزراء الجدد، ولا بحجم الشعارات المرفوعة، بل بمدى احترامها لمعيار بسيط وواضح: الأداء أولًا.

فحين يصبح الأداء هو الفيصل، تبدأ الدولة في التشكل من جديد، وحين يُستبدل بالاعتبارات الأخرى، تستمر الأزمة مهما تغيّرت الوجوه.