آخر تحديث :الجمعة-30 يناير 2026-06:38ص

رؤية أولية لمسار الحوار الجنوبي ومتطلباته للنجاح

الثلاثاء - 27 يناير 2026 - الساعة 07:01 م
عوض عميران

بقلم: عوض عميران
- ارشيف الكاتب


يشكل الحوار الجنوبي محطة حاسمة لتجاوز أزمات الماضي، وبناء مشروع سياسي مستدام يعكس إرادة الشعب الجنوبي ويصون مصالحه. ولكي يكون هذا الحوار ناجحًا، لا بد من وضع رؤية واضحة لمساره ترتكز على مجموعة من المبادئ والقواعد الجوهرية التي تحميه من الانزلاقات وتضمن تحقيق نتائجه.


أولاً: الإيمان بضرورة الشراكة الوطنية


لا يمكن لأي حوار أن ينجح ما لم ينطلق من قناعة راسخة بأن الجنوب لا يُدار بعقلية الإقصاء، وأن جميع مكوناته السياسية والاجتماعية والثقافية شركاء في الوطن والمصير. الشراكة الوطنية هنا ليست مجاملة سياسية، بل قاعدة تأسيسية لأي مشروع جنوبي ناجح، وتتجلى عمليًا في:


الاعتراف المتبادل بين القوى الجنوبية كافة.


القبول بالتعدد السياسي والفكري.


رفض منطق التخوين والإقصاء.


الإقرار بأن لا أحد يملك الجنوب وحده، ولا يحق لأحد احتكاره.



ثانياً: الاتفاق على قواعد انضباطية لإدارة شكل الحوار وإقرار الأفكار الجوهرية


الحوار يحتاج إلى إطار انضباطي يضمن عدالته ويحول النقاش إلى عملية سياسية مسؤولة. وتشمل هذه القواعد:


تحديد آليات إدارة الجلسات وضبط الخطاب الإعلامي المصاحب للحوار.


الاتفاق على أسلوب اتخاذ القرار (توافق، أغلبية، أو صيغ مركبة).


الالتزام باحترام جميع الأطراف ومنع التخوين أو التشهير.


تحييد السلاح والقوة العسكرية عن مسار الحوار.


ضمان الشفافية في النقاشات والمخرجات.



أما الأفكار الجوهرية، فهي تعطي للحوار معناه السياسي الحقيقي، وتشمل طبيعة المشروع الجنوبي، شكل الدولة المنشودة، أسس التمثيل السياسي، العلاقة مع الداخل اليمني والإقليم، وضمانات الحقوق والحريات.


ثالثاً: التخلي عن مفهوم "الفكرة الصلبة" لصالح مرونة الحوار


الحوار الجنوبي يحتاج إلى عقلية مرنة تؤمن بأن الأفكار وسائل للوصول إلى الحلول، وليست حقائق مطلقة.


الثوابت الوطنية لا تعني الجمود الفكري.


التنازلات والحلول الوسط ليست هزيمة بل تعبير عن نضج سياسي.


فتح الباب للنقاش الحر حول كل القضايا، مهما كانت حساسة، دون خطوط حمراء مسبقة.



هذا الانتقال من منطق الصراع على الصواب إلى منطق البحث المشترك عن الحل هو ما يجعل الحوار حيًّا وفعالًا.


رابعاً: الاتفاق على مرجعيات قانونية وأخلاقية لا يجوز تجاوزها


يحتاج الحوار إلى إطار يحميه ويمنحه الشرعية:


الدين كمكون أخلاقي جامع لا أداة صراع.


اللغة العربية كوعاء للهوية والثقافة.


الهوية القومية كإطار جامع يحفظ الانتماء.


الالتزام بالقانون والعدالة والمساواة.


حماية كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.



الجمع بين المرونة الفكرية والثوابت المرجعية يحقق المعادلة الذهبية للحوار: مرونة في الوسائل، ثبات في القيم، وانفتاح في التفكير دون التفريط بالهوية.


خامساً: وجود ضمانات ملزمة لمخرجات الحوار


ضمان تنفيذ مخرجات الحوار يحولها من وعود إلى واقع عملي، ويعزز مصداقية العملية برمتها:


التوقيع الرسمي والعلني على المخرجات.


جداول زمنية واضحة للتنفيذ.


إنشاء هيئة مشتركة لمتابعة التنفيذ والمساءلة.


ربط أي مشاركة سياسية مستقبلية بالالتزام بالمخرجات.


إشراك شخصيات وطنية مستقلة كمراقبين وضامنين.


تحييد القوة العسكرية عن تعطيل المخرجات.



سادساً: حماية الحوار من التدخلات الخارجية


الحوار الوطني يجب أن يكون قرارًا داخليًا نابعًا من إرادة الجنوب، لا لعبة في موازين القوى الإقليمية:


رفض أي وصاية أو توجيه خارجي.


منع تمويل أو ضغط من الخارج على مسار الحوار.


ضبط الخطاب الإعلامي ومنع استغلاله كأداة صراع.



الحوار المستقل يعزز مصداقيته ويمكّنه من إنتاج حلول مستدامة بعيدًا عن أجندات خارجية.


سابعاً: احترام خصوصية الأطراف ومنع استخدامها كدعاية إعلامية


الحوار الناجح يتطلب بيئة آمنة تحمي المشارك من الاستغلال الإعلامي:


منع استغلال الجلسات أو المخرجات لأغراض دعائية أحادية.


ضبط الخطاب الإعلامي وعدم تسريب ما يضر بالثقة بين الأطراف.


ضمان صدقية البيانات الإعلامية الصادرة عن الحوار.


الفصل بين العمل السياسي الجاد والدعاية الشعبوية.



ثامناً: الاتفاق على صيغة قسم ملزم للمشاركين


صياغة قسم رسمي يلزم المشاركين باحترام مخرجات الحوار وتنفيذ المسارات المتفق عليها:


"أقسم بأن أحترم مخرجات هذا الحوار، وألتزم بتنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وأتعهد بعدم عرقلة أي مسار يؤدي إلى إخلال بمخرجات الحوار ونجاحه."


هذا القسم يرمز إلى الالتزام الأخلاقي والسياسي، ويحول الحوار من نقاش نظري إلى عملية قابلة للتنفيذ.


الخلاصة


نجاح الحوار الجنوبي يتوقف على التوازن بين المرونة في الأفكار والثبات على القيم والمرجعيات الأساسية، وبين الالتزام بالنتائج وحماية المسار من الضغوط الداخلية والخارجية. إن اعتماد هذه المبادئ كأسس للحوار يضمن أن يصبح الحوار الجنوبي فضاء بناءً، وصادقًا، وفاعلاً، قادرًا على إنتاج مشروع جنوبي جامع ومستدام.