ليس غريباً أن يضيق الصندوق بمن هم أكبر منه ، وليس جديداً أن تتحول المنابر الإعلامية إلى ساحات تصفية حسابات مغلفة بغلاف المهنية الزائفة ...
لكن ما حدث في حلقة "خارج الصندوق" مع الصحفي فتحي بن لزرق لم يكن مجرد حوار تلفزيوني عابر ، بل كان اصطداماً حضارياً بين مدرستين : مدرسة "الاستعراض الصدامي" التي حاولت رشا نبيل تسويقها، ومدرسة "الجلد الصحفي" والعمق الوطني التي يمثلها بن لزرق....
لقد دخل فتحي بن لزرق الاستوديو وهو يعلم يقيناً أن الفخاخ منصوبة، وأن الأسئلة ليست سوى نصالٍ وُجهت لصدره ، لا لاستجلاء الحقيقة، بل لكسر تلك الهيبة التي بناها بدمه وعرقه في أزقة عدن وميادينها....
رشا نبيل ، التي بدت وكأنها تقرأ من "كتالوج" ممجوج لإثارة الجدل وإيجاد ترند ، حاولت بكل ما أوتيت من أدوات مصطنعة أن تستدرجه لمربع المهاترة ، لكنها اصطدمت بجدار صلب من الاتزان المذهل...
كان فتحي يرد ببرود العارف ، وبثقة من يملك الأرض تحت قدميه ، محولاً كل غمزة استفزازية إلى صفعة منطقية ، جعلت من المحاورة تبدو في كثير من اللحظات كمن يصارع طواحين الهواء...
إن القوة التي ظهر بها بن لزرق في العربية هي ذاتها الجرأة التي صدمت الكثيرين في مساحته الأخيرة مع علي البخيتي على منصة اكس
ابو يزن لم يوارب ولم يجامل ، لقد وضع إصبعه على الجرح النازف في عدن ، متحدثا عن بطش الانتقالي وظلم قوى الأمر الواقع بلسان من يكتوي بنارها يومياً....
لم يكن مجرد تحليل سياسي، بل كان زفيراً وطنياً يخرج من صدر رجل سئم رؤية مدينته تُنحر بسكاكين الرفاق قبل الأعداء ....
ما لا يفهمه المتربصون وما عجزت عن إدراكه رشا نبيل ، هو أن فتحي بن لزرق لم يعد مجرد "مدير تحرير" ، بل أصبح "حالة وطنية" تعبر عن وجع الناس الذين لا صوت لهم....
إن تمكنه من أدواته في تلك الحلقة لم يكن "تحضيراً جيداً" فحسب، بل كان "إيماناً مطلقاً" بالقضية التي يدافع عنها إلا هي قضية الجمهورية بأكملها ...
لقد خرج فتحي بن لزرق من تلك المواجهة منتصراً ، لا لأنه أفحم المذيعة فحسب ، بل لأنه كشف للجمهور العربي واليمني زيف "المحايدة الصدامية" حين تصطدم بـ "الحقيقة العارية"....
لقد أثبت بن الأزرق أن الصحفي الذي يخرج من رحم المعاناة ، والذي يواجه الموت في عدن كل صباح ، لا يمكن ل إضاءة استوديو أو أسئلة مفخخة أن تنال من عزيمته....
سلام على فتحي بن لزرق ، الصوت الذي لا ينكسر، والقلم الذي لا يُباع ، والضمير الذي يرفض أن يدخل في صناديقهم الضيقة .... لأنه ببساطة ، هو الحقيقة في زمن الزيف....
د.عبدالسلام الصيادي