آخر تحديث :الأربعاء-28 يناير 2026-12:35م

ابتزاز الدولة.. حين يفرض تشكيل الحكومات تحت التهديد

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 01:02 ص
د. أحمد بن اسحاق

بقلم: د. أحمد بن اسحاق
- ارشيف الكاتب


لم يعد الابتزاز في اليمن سلوكا عارضا أو حالة استثنائية، بل تحوّل مع الزمن إلى اسلوب ضغط ممنهج على الدولة، كلما تراجعت هيبة القانون أو فُتح باب التسويات خارج أطره. وما صدر مؤخرا من تهديدات علنية بمنع الحكومة من ممارسة عملها في العاصمة المؤقتة عدن ما لم تُشكَّل وفق شروط محاصصة محددة، ليس إلا نتيجة طبيعية لمسار طويل من التساهل مع الابتزاز، ثم شرعنته، ثم التعايش معه بوصفه "أمرا واقعا".


الابتزاز، في معناه السياسي والقانوني، لا يقتصر على المال، بل يشمل كل تهديد متعمد بالمصلحة العامة: الأمن، الخدمات، السيادة، أو عمل مؤسسات الدولة، بهدف تحقيق مكاسب خاصة أو فئوية. وعندما يصبح التهديد موجّها للدولة نفسها، فإن الجريمة لا تقع على الحكومة وحدها، بل على النظام العام وحق المجتمع في الاستقرار، لأن الدولة هنا تُجبر على الإذعان بدل أن تُحاسب.


قبل الوصول إلى مرحلة التهديد بتعطيل الحكومة، سبقت ذلك مرحلة أخطر جرى تسويقها بوصفها حلولا واقعية. ففي أكثر من محطة، جرى استبدال القضاء بالترضيات والتحكيمات خارج القانون في قضايا جنائية جسيمة، وهو ما حذّرنا منه مبكرا في مقالات سابقة، حين تحوّلت الدماء العامة إلى ملفات تفاوضية، ودُفعت الأموال والأسلحة من خزينة الدولة بدل إنفاذ العدالة. تلك الترضيات لم تكن معالجة للأزمة، بل كانت رسالة خاطئة مفادها أن من يمتلك القدرة على الضغط يُكافأ، ومن يحتكم للقانون يُترك وحيدا.


خلال الثلاثة العقود الاخيرة من الزمن، تنوّعت أشكال هذا الابتزاز وتدرّجت، بدءا من اختطاف السياح والأجانب، مرورا بقطع الطرق وخطوط الكهرباء، وتعطيل الموانئ والمنشآت النفطية، وصولا إلى احتجاز الشركات والمعدات وتعطيل المنشآت . ومع كل مرة كانت الدولة تختار فيها الدفع والتعيينات الأرضائية بدل المحاسبة، انتقل الابتزاز من فعل فردي إلى سلوك جماعي، ثم تحوّل لاحقا إلى أداة سياسية تُستخدم لفرض الشروط لا لعرض المطالب. وليس الأمر مقصورا على الأموال والخدمات العامة، بل امتد تأثيره إلى توزيع الحقائب الوزارية والمناصب القيادية، حيث يتم منحها أحيانا لأشخاص بعيدين عن معايير الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز، ما يهدد فعالية الدولة ويقوض الثقة في مؤسساتها.

أخطر مراحل هذا المسار كانت حين وُلد السلاح من رحم الترضية. فالتساهل مع الابتزاز جرّد القضاء من هيبته، وأعاد تعريف الدولة بوصفها طرفا قابلا للضغط، وحوّل السلاح من جريمة إلى ورقة تفاوض. وهكذا انتقلنا من تحكيم قبلي في جريمة قتل، إلى مليشيات تفرض شروطها، وصولا إلى التهديد العلني بتعطيل عمل حكومة دولة مقابل حقائب وزارية.


حين يُقال صراحة إن الحكومة لن يُسمح لها بالعمل من عدن ما لم تُشكَّل وفق اشتراطات بعينها، فنحن لا نكون أمام رأي سياسي أو تفاوض مشروع، بل أمام ابتزاز سياسي مكتمل الأركان. فهذا السلوك يقوم على التهديد باستخدام القوة أو الفوضى، وتعطيل مؤسسة سيادية، وفرض إرادة خارج الأطر الدستورية، وهو ما تُجرّمه القوانين اليمنية وكل الأعراف الدستورية، إذ لا يوجد في أي نظام سياسي مفهوم يُسمّى "تمثيل تحت التهديد".


التساهل مع هذا النمط من الجرائم لا ينتج استقرارا كما يُروَّج له، بل يراكم سوابق خطيرة. فكل ترضية خارج القانون تُنتج ابتزازا أكبر، وكل تهديد بلا مساءلة يتحوّل إلى قاعدة، وكل قاعدة من هذا النوع تُقوّض ما تبقى من فكرة الدولة، وتفتح الباب أمام تضخم المليشيات وتآكل السيادة وتحويل الحكومة إلى غنيمة تفاوضية.


ابتزاز الدولة لم يبدأ اليوم، لكنه بلغ اليوم مرحلة خطيرة، لأنه خرج من الظل إلى العلن، ومن التلميح إلى التهديد المباشر. ومواجهة هذا المسار لا تبدأ بالبيانات ولا بالمجاملات السياسية، بل بكسر حلقته الأولى: رفض الترضيات خارج القانون، إعادة الاعتبار للقضاء، وتجريم كل من يستخدم السلاح أو الفوضى لتحقيق مكاسب سياسية.

فالدولة التي تُدار بالابتزاز لن تحكم، والحكومة التي تولد تحت التهديد ستبقى رهينة له.

وما نشهده اليوم ليس انحرافا مفاجئا، بل نتيجة مسار حذّرنا منه منذ أكثر من عقد، يوم قلنا إن الدولة التي تدفع بدل أن تُحاسِب، ستُبتزّ يوما… وهذا اليوم قد جاء.