آخر تحديث :الخميس-29 يناير 2026-03:24م

قراءة في الوعي الجنوبي وتجربة الهجرة

الخميس - 29 يناير 2026 - الساعة 01:14 ص
موسى الربيدي

بقلم: موسى الربيدي
- ارشيف الكاتب


المواطن الجنوبي، حيثما حلّ وارتحل، لا يغادر وطنه فعلياً، بل يحمله معه كهمٍّ دائم وقضية مفتوحة. يتحدث عنه في المجالس، يدافع عنه في النقاشات، ويسعى إلى تقديمه للعالم بوصفه قضية عادلة تستحق الإنصاف. غير أن هذا الحضور الدائم للقضية لا يكون دائماً صحياً، إذ كثيراً ما يُحمَّل بطرح سياسي قاسٍ، انفعالي، نابع من تراكمات طويلة من الظلم والتهميش وسوء التعبئة السياسية.


لقد تشكّل وعيٌ سياسي لدى شريحة واسعة من الجنوبيين قائم على الشعور بالمظلومية، وهو شعور مفهوم في سياقه التاريخي، لكنه تحوّل مع الزمن إلى أرضية خصبة للعنصرية والمناطقية والحقد السياسي. وبدلاً من أن يكون مدخلاً لبناء مشروع وطني جامع، أصبح في كثير من الأحيان وقوداً لخطاب التقسيم وشرذمة الأوطان.


من واقع تجربة شخصية، أستحضر قصة صديق جنوبي انتقل من إحدى الولايات الأمريكية إلى ولاية أخرى للعمل والاستقرار، وتحديداً إلى ولاية تكساس. وهي ولاية تُعد من أغنى الولايات الأمريكية، إذ يوازي اقتصادها اقتصاد عشرين دولة عربية وأفريقية مجتمعة. عند وصوله إلى مدينة دالاس، فوجئت بسؤال طرحه عليّ بكل تلقائية:

لماذا لا تنفصل تكساس عن الدولة الأم، وهي قادرة اقتصادياً على أن تعيش في بحبوحة واستقلال؟


هذا السؤال، رغم بساطته الظاهرية، يكشف عمق الإشكال. فهو ليس نتاج قراءة واقعية للتجربة الأمريكية، بل انعكاس مباشر لعقلية سياسية تشكّلت تحت ضغط الشعارات، لا تحت ضوء المعرفة. عقلية ترى الانفصال حلاً جاهزاً لكل أزمة، وتتعامل مع التفكك بوصفه طريقاً مختصراً للاستقرار.


الحقيقة أن قوة تكساس لم تأتِ من كونها ولاية غنية فقط، بل من اندماجها في دولة اتحادية قوية، ومن وجود مؤسسات، ودستور، وثقافة وطنية راسخة تحترم التنوع وتدير الخلاف دون اللجوء إلى التمزق. الفيدرالية هناك لم تكن مشروع تفتيت، بل صيغة وحدة ذكية.


المأساة أن بعض الخطاب الجنوبي اليوم يقدّم للعامة صورة مقلوبة عن العالم، وكأن الاستقرار لا يتحقق إلا بالتجزئة، وكأن العدالة لا تُنال إلا بالحروب والانقسامات. هذا المنطق ليس فقط خطيراً، بل مدمّر اجتماعياً، لأنه يحوّل الألم التاريخي إلى أيديولوجيا دائمة، ويمنع أي تفكير عقلاني في حلول سياسية واقعية.


نعم، عانى الجنوب طويلاً من الدولة المركزية، ومن الإقصاء وغياب الشراكة الحقيقية، لكن الرد على هذا الظلم لا يكون بتوريث الأجيال القادمة هاجس الانفصال فقط، ولا بتغذية شعارات المزايدة دون امتلاك مشروع وطني متكامل. فالشعارات وحدها لا تحرر الشعوب، بل قد تُغرقها في دوامة صراعات لا تنتهي.


إن أخطر ما نواجهه اليوم ليس الخصم السياسي، بل تحوّل هذا الهاجس إلى ظاهرة اجتماعية عامة، تُعيد إنتاج الغضب دون أن تقدّم بديلاً، وتستبدل ثقافة الدولة بثقافة الشعار. نحن بحاجة إلى وعي جديد، يعترف بالمظلومية، لكنه لا يؤلّهها، ويطالب بالحقوق، دون أن يختزل المستقبل في التقسيم.


فالأوطان لا تُبنى بالهدم، ولا تُستعاد بالانفعال، بل بالمشاريع، وبالعقل، وبثقافة وطنية قادرة على تحويل الألم إلى قوة، لا إلى لعنة دائمة