لم يعد ما تشهده المنطقة العربية في السنوات الأخيرة مجرد إعادة تموضع في التحالفات أو تصاعدًا دوريًا في بؤر الصراع، بل هو استراتيجيات يجري تطبيقها بهدف إحداث تحول أو -بالأحرى-تحولات بنيوية أعمق تمس طبيعة الدولة، وثوابت الجغرافيا، ومفهوم الأمن الإقليمي ذاته. وهي محاولات جادة وخطرة تؤشر إلى وجود استراتيجية كبرى ترمي لتحقيق تحولات بنبوية تكتونية (Tectonic Shift) عميقة في النظام الإقليمي العربي بفعل فاعل/فاعلين محليين وضمن سلوك ممنهج. وفي خضم هذه التحولات نلاحظ كيف جرى ويجري تهديد ومحاصرة وضرب منطق السيادة الوطنية باستخدام أدوات ومشاريع تفتيت وظيفية دون دولتيه، ولقد رأينا في سياق هذه الاستراتيجية كيف جرت وتجري -أيضا-محاولات إعادة هندسة موازين القوة والنفوذ والسيطرة على الممرات المائية والمناطق الاستراتيجية الحيوية بما يخدم مصالح قوى من خارج النظام الإقليمي عوضاً عن أولويات دول المنطقة وشعوبها.
وفي قلب هذا التحولات والتدافعات المطّرِدة، يمكننا أن نقرأ معادلتين جديدتين متضادتين على نحو ما يلي:
- قوىً طامحةٌ من خارج النظام تقوم بتغذية مسارات تفكيك الدول المركزية في النظام الإقليمي العربي، وتستخدم دولاً عربية هامشية لتلعب دور الوكيل ضمن هذه الاستراتيجية، وبما يتجاوز حجمها الطبيعي وقدراتها الجيوسياسية، وهذا ينطبق على العلاقة الوظيفية بين إسصر ائيييل والإمارات، وأيضا على العلاقة بين إيران والجماعات الشيعية في العراق ولبنان واليمن، بيد أننا في هذه السلسلة سنركز فقط على العلاقة بين الإمارات وإسرائيل حتى لا نتشتت، ولعلنا نفرد مقالا آخر لاستكمال تأمل وفحص هذه الظاهرة.
- وقوى إقليمية مركزية داخل النظام (على رأسها السعودية وربما مصر) كانت قد أدركت مبكراً خطر إيران وأذرعها، ولكنها أدركت -أيضاً- مؤخراً خطورة جارتها وحليفتها التي يتنامى دورها الوظيفي كوكيل لأصر ائييل، وأن أمنها لم يعد مضموناً بهيبتها أو تحالفاتها التقليدية وعلاقات الاخوة والجوار، بل بمدى سرعة وفعالية استجابتها للتحدي وقدرتها على منع إعادة توزيع ورسم خرائط النفوذ من حولها بالقوة ومن خلال المال والوكلاء المحليين.
كان هذا هو الوصف الأولي لما يحدث كمدخل أو تمهيد، وفي الحلقات القادمة -إن شاء الله تعالى- سيتم تناول مسألة استراتيجية التفتيت كوسيلة للتحكم في الإقليم، وربطه بالطموح الاسبارطي الأسصر ائيييلي وسياسات الأمن عبر الممرات وتطويق الطوق، لا عبر الحدود المباشرة..