نظر إلى قرى ومناطق يافع بعين المحب الصادق لأهله وناسه وربعه، فكان شغله الشاغل أن ينهض بها، وأن يخفف عن أبنائها مشقة الحياة وقسوة المسافات. لم يسأل يوماً: ماذا سأكسب؟ بل كان سؤاله الدائم: ماذا أستطيع أن أقدم؟ ومن هذا السؤال وُلدت أفكاره، وتحولت رؤاه إلى واقع ملموس.
بإرادة صلبة ورؤية بعيدة، أسس واحداً من أكبر الأسواق التجارية على مستوى اليمن، في بيئة كان يدرك مسبقاً أنها لا تغري الاستثمار التجاري، وأن المشاريع الضخمة فيها محكومة بخسائر شبه مؤكدة، لكونها قرى وأريافاً لا مدناً كبرى.
ومع ذلك، مضى غير متردد، واضعاً المصلحة العامة فوق أي حسابات ضيقة.
لم يكن السوق مجرد مبانٍ أو محال، بل منظومة متكاملة للحياة؛ مطاعم منظمة، وفنادق، ومستشفيات، وخدمات أساسية تلبي احتياجات الإنسان اليومية، وتمنح أبناء يافع حقهم في العيش الكريم داخل أرضهم، دون أن يُضطروا لقطع المسافات الطويلة إلى عدن وغيرها بحثاً عن أبسط متطلبات الحياة.
لقد اختار الشهيد أن يستثمر في الإنسان قبل المكان، وفي الكرامة قبل المال، مؤمناً بأن التنمية الحقيقية لا تُقاس بالأرقام، بل بما تتركه من أثر في حياة الناس.
وهكذا، جعل من وقته وراحته وجهده وقفاً عاماً لرفع شأن يافع وأهلها، في صمت الكبار، ودون انتظار مقابل أو ثناء.
غير أن الأيدي التي تبني كثيراً ما تُستهدف، ففي جريمة غادرة، تعرض الشيخ علي محسن، ووالده، ومرافقوهما لكمين مسلح آثم، ليُغتال الجسد، ويبقى النهج، وتظل القيم التي حملها حيّة في وجدان الناس وذاكرة المكان.
إن استشهاد الشيخ علي محسن صالح الرشيدي ليس خسارة لفردً فحسب، بل فقدان لقيمة وطنية وإنسانية كبيرة، في زمنٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى أمثال هذه النماذج.
ومع ذلك، فإن ما زرعه من خير لن يضيع، وما شيده بصدق سيظل شاهداً على رجلٍ عاش من أجل الناس، ورحل تاركاً أثراً لا يُمحى.
رحم الله الشهيد وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته، وألهم من بعده أن يكملوا الطريق، فالأوطان لا تُبنى إلا بسواعد المخلصين، ولا تخلّد إلا أسماء من خدموها بصدق.
