تعتبر الصحافة الحرة ركيزة أساسية لأي مجتمع يسعى إلى العدالة والشفافية، ومرآة تعكس حقيقة واقعه بعيدًا عن تزييف السلطة. في السياق اليمني المعقد والمضطرب، تبرز بعض المؤسسات الإعلامية كصوت للمحرومين ودرع يحمي من طغيان الظلم والاستبداد. ومن بين هذه المؤسسات، تقف صحيفة عدن الغد كرمز للمقاومة الإعلامية، ليست مجرد ملكية فردية كما قد يصورها البعض، بل هي بيت لكل حر يلوذ بها هاربًا من قسوة الظروف السياسية والاجتماعية. إن الهجوم الذي تعرضت له مقر الصحيفة وتكسير مكاتبها اليوم يمثل اعتداءً ليس على كيان إعلامي فحسب، بل على كل قلب حر في اليمن يشعر بوطأة الاستبداد.
إن النظرة القاصرة التي تحصر صحيفة عدن الغد في كونها ملكًا لشخص بعينه، هي نظرة سطحية تتجاهل الدور الحيوي الذي تلعبه هذه المنصة في تشكيل الوعي العام وتوثيق الانتهاكات. عدن الغد، في جوهرها، هي مساحة جماعية للنضال، ملاذ يلجأ إليه المواطن اليمني ليجد آذانًا صاغية لأوجاعه التي قد تطمسها آلة القمع الرسمي أو غير الرسمي. لقد أصبحت الصحيفة بمثابة السند الذي يتكئ عليه المظلومون لنقل قصصهم وتحدي السرديات المهيمنة التي تهدف إلى تجميل الواقع المرير. هذا الدور يتجاوز حدود العمل الصحفي التقليدي ليلامس مهمة وطنية وإنسانية عاجلة.
إن الاعتداء على مقر الصحيفة وتدمير ممتلكاتها المادية هو فعل جبان ينم عن عجز مرتكبيه عن مواجهة الحقيقة بالمنطق أو بالحجة. عندما تُستخدم القوة الغاشمة ضد قلم وحبر، فإن ذلك يكشف عن خوف عميق لدى الجهة المعتدية من قوة الكلمة وقدرتها على فضح الممارسات غير القانونية والمشينة. هذا التكسير لم يكن مجرد تخريب لمبنى، بل كان محاولة يائسة لإسكات صوت جماعي، وإطفاء شعلة أمل كانت تضيء دروب الباحثين عن الحقيقة في بيئة تخنقها الأكاذيب والتعتيم. كل زجاج مكسور وكل مكتب مهشم يمثل جرحًا في جسد الحريات العامة.
إن قلوب الأحرار في المجتمع اليمني قد تكسرت اليوم لأنها رأت أن محاولة لإسكات صوتها قد تحققت بالقوة الغاشمة. هؤلاء الأحرار ليسوا مجرد مجموعة من الأفراد، بل هم شريحة واسعة من المجتمع الذي عانى طويلاً من غياب المحاسبة والتطبيق الصارم للقانون. إن عدن الغد كانت دائمًا تسعى لتوثيق التجاوزات التي ترتكب باسم السلطة أو باسم فصائل النفوذ، سواء كانت تلك التجاوزات تتعلق بالفساد المالي، أو بالانتهاكات الحقوقية، أو بالانقسامات الاجتماعية المدمرة. عندما يتم استهداف منبر كهذا، فإنه رسالة واضحة ومروعة بأن الظلم لا يزال يمتلك الأدوات اللازمة لسحق أي محاولة للشفافية.
على الصعيد الوطني، تلعب عدن الغد دورًا محوريًا في الحفاظ على الذاكرة الجمعية وتوجيه الأنظار نحو القضايا المصيرية التي تتجاهلها وسائل الإعلام الموالية للسلطات المختلفة. في خضم الحرب والصراعات المتعددة التي مزقت اليمن، كان الحفاظ على مساحة للنقد البناء ضرورة قصوى لمنع الانزلاق الكامل نحو الفوضى الممنهجة. إن الصحيفة دائمًا ما كانت تسعى لتكون جسرًا للتفاهم أو على الأقل منتدى للنقاش حول مستقبل الجنوب والوحدة، بعيدًا عن الشعارات الرنانة والأجندات الضيقة. لقد أوجعت هذه الضربات كل قلب صادق يرى في الإعلام الحر أملًا للوصول إلى مرحلة بناء دولة مؤسسات تحترم كرامة الإنسان.
لذلك، يجب النظر إلى قضية الاعتداء على عدن الغد كاختبار حقيقي لمدى التزام المجتمع اليمني، بمختلف أطيافه، بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان. إن التضامن مع هذه المؤسسة الإعلامية، والدعوة إلى محاسبة المعتدين، هو واجب أخلاقي على كل من يدعي الانتماء إلى صفوف المدافعين عن الحرية. إن ترك هذا الاعتداء يمر دون رد فعل قوي وموحد يعني إعطاء ضوء أخضر لأي جهة أخرى تسعى لإسكات الأصوات المعارضة أو الناقدة مستقبلاً.
إن صحيفة عدن الغد ليست مجرد مقر أو ملكية خاصة، بل هي امتداد لضمير مجتمعي متعب ومقهور يبحث عن متنفس. إنها صرخة في وادٍ سحيق، تسعى لتوصيل صوتها إلى العالم الخارجي الذي قد يكون غافلاً عن تفاصيل المعاناة اليومية. الاعتداء عليها هو اعتداء مباشر على حق الشعب اليمني في المعرفة والعدالة. ولا يمكن لهذا البيت الذي لجأ إليه المظلومون أن يسقط أمام جبروت الظالمين، فصوتها باقٍ ما دام هناك قلب يرفض الخضوع للظلم والاستبداد في هذا المجتمع المضطرب. إن الأمل يكمن في استمرار هذا الصوت مهما تعرض من أذى، ليبقى شاهداً على زمن القسوة ومبشراً بغدٍ يكون فيه الكلمة هي السلاح الأقوى.