باسم الضمير الحر، وبقلبٍ يثقله الحزن والغضب، أُدين بأشد العبارات الاعتداء الإجرامي الهمجي الذي طال مقر صحيفة «عدن الغد» وكادرها الصحافي. فهذا الفعل لا يمكن اختزاله في كونه تخريبًا للممتلكات أو اعتداءً جسديًا على صحافيين عُزّل، بل هو استهداف مباشر لحرية الكلمة، ومحاولة بائسة لإسكات صوت إعلامي حر ظلّ، وما يزال، مرآةً للمظلومين وكاشفًا لملفات الفساد.
لقد تجاوز هذا الاعتداء كل الخطوط الحمراء، ليس فقط بانتهاكه حرمة مؤسسة إعلامية، بل لأنه يشكّل طعنةً غادرة في خاصرة مدينة عدن ذاتها. فعدن، بتاريخها المدني العريق وتقاليدها التعددية، ترفض أن تتحول إلى ساحة للفوضى وتكميم الأفواه. وما جرى لا يستهدف جدران صحيفة وأجهزتها فحسب، بل يستهدف هوية المدينة وقيمها التي عُرفت لعقود بحرية التعبير واحترام الرأي والرأي الآخر.
تشير المعلومات والصور الواردة من موقع الحادث إلى عملية اقتحام مسلح خلّفت دمارًا واسعًا داخل المقر، شمل تحطيم المحتويات ونهب معدات العمل، إلى جانب الاعتداء الجسدي على عدد من الصحافيين، ما أدى إلى إصابة اثنين منهم على الأقل. إنها جريمة مكتملة الأركان، تعكس حالة الانفلات الأمني، وتكشف حجم التغوّل الخطير على الحريات العامة في المدينة.
لا يمكن قراءة هذا الهجوم بمعزل عن سياقه. فقد سبق لصحيفة «عدن الغد» أن تعرضت لتهديدات متكررة، خاصة بعد نشرها خلال الأسابيع الماضية ملفات تتعلق بقضايا فساد مالي ونهب واسع لأراضي وممتلكات الدولة في عدن، مع تحديد مسؤوليات واضحة. ويبدو أن هذا الاعتداء جاء كرد فعل عنيف من أطراف عجزت عن مواجهة الحقائق بالحجة، فلجأت إلى القوة والترهيب.
يُحسب في هذا السياق توجيه رئيس الحكومة اليمنية، شائع الزنداني، بفتح تحقيق عاجل وشفاف في الحادثة، إلى جانب إدانة نقابة الصحافيين اليمنيين التي أكدت أن ما جرى يمثل انتهاكًا جسيمًا لحرية الصحافة، وطالبت بمحاسبة المتورطين. غير أن هذه المواقف، على أهميتها، تظل غير كافية ما لم تُترجم إلى إجراءات عملية وسريعة تفضي إلى العدالة.
وانطلاقًا من خطورة ما حدث، أؤكد على المطالب التالية:
تحقيق مستقل وشفاف: ضرورة تشكيل لجنة تحقيق مستقلة، وبمشاركة منظمات دولية معنية بحرية الصحافة وحقوق الإنسان، لضمان النزاهة والمحاسبة الكاملة لكل من تورط في هذه الجريمة، تنفيذًا وتخطيطًا وتمويلًا.
حماية فورية للصحافة: إلزام الجهات الأمنية والقضائية بتحمل مسؤولياتها القانونية في حماية المؤسسات الإعلامية والصحافيين، ووضع حد لحالة الاستباحة والترهيب.
تضامن عربي ودولي: دعوة النقابات الصحفية والمنظمات الحقوقية ووسائل الإعلام الحرة في العالم للوقوف إلى جانب «عدن الغد»، فالجريمة التي وقعت في عدن هي جريمة ضد الصحافة في كل مكان.
استمرار كشف الحقيقة: إن أخطر ما يسعى إليه هذا الاعتداء هو إسكات الصحافة المستقلة. وأقوى رد عليه هو الاستمرار في النشر وكشف الحقائق، لأن الأقلام لا تُكسر، والحقيقة لا تُنهب.
كلمة أخيرة
إلى منفذي هذا الاعتداء ومن يقف خلفهم: لقد أخطأتم الحساب. فأنتم تواجهون صحافةً متجذرة في نبض هذا الشعب. كل قلم يُكسر ستنهض مكانه عشرات الأقلام، وكل صوت يُحاول إسكاتُه ستعلو بعده أصوات أعلى. عدن، مدينة التنوير والحرية، ستلفظ هذه الممارسات الدخيلة كما لفظت غيرها عبر تاريخها الطويل.