في الحسابات السياسية الرصينة، لا تُقاس الأحداث بصخب الشارع ولا بعلوّ الشعارات، بل بما تُخلّفه من ردود فعل، وبما تعيد تشكيله من موازين قوى على الأرض. ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة ما يجري اليوم في عدن باعتباره سلسلة متراكمة من الأخطاء الاستراتيجية القاتلة التي ارتكبتها بقايا المجلس الانتقالي المنحل، أولئك الذين يتصرّفون بعقلية “رعاة البقر”، دون أي فهم حقيقي لأبجديات السياسة، أو لحسابات الإقليم وتعقيدات المشهد الدولي.
فالاحتجاجات التي شهدتها عدن، والمدفوعة من تلك البقايا، وما رافقها من هجوم إعلامي فجّ وغير مسبوق على مندوب المملكة العربية السعودية، ثم الاعتداء على قوات درع الوطن المدعومة سعوديًا، وصولًا إلى ترديد عبارات مسيئة بحق المملكة، لم تكن سوى أفعال طائشة، تفتقر لأدنى درجات الوعي السياسي، وتعكس حالة الإفلاس الكامل في الرؤية والتقدير.
والمفارقة الصارخة أن هذه التصرفات، بدلًا من أن تخدم ما يُسمّى بـ“القضية الجنوبية”، فإنها تُسهم – وبشكل مباشر ومتسارع – في بلورة مشروع الحكم الذاتي لحضرموت والمهرة، وربما الانتقال لاحقًا إلى حق تقرير المصير، وصولًا إلى إعلان دولة حضرموت والمهرة المتحدة.
ولو كان أولئك يدركون حقًا ماذا يعني استقلال حضرموت والمهرة، لتوقفوا فورًا عن إثارة هذه الفوضى العبثية في عدن. فببساطة شديدة، استقلال حضرموت والمهرة يعني النهاية الكاملة لمشروع “الجنوب” بصيغته التي يروّج لها المجلس الانتقالي. نهاية بلا رجعة.
وإذا عدنا إلى تسلسل الأحداث، سنجد أن المجلس الانتقالي المنحل، ومن خلال مليشياته المسلحة، و باستخدام مختلف أنواع الأسلحة الثقيلة والخفيفة، ارتكب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان عند هجومه على حضرموت والمهرة ، قبل أن يتلقى هزائمه المذلّة في حضرموت والمهرة وسقطرى. ورغم ذلك، لم يتوقف عن شن حملاته الإعلامية العدائية ضد هذه المناطق، في سلوك عدائي أعمى.
لكن ما لم يدركه الانتقالي أن كل ذلك أسهم – دون أن يشعر – في إخراج الصوت الحضرمي إلى العالم، وفي تحقيق تفاعل إقليمي ودولي إيجابي مع قضية حضرموت خلال شهر واحد فقط، وهو ما عجز عن تحقيقه خلال عشر سنوات كاملة من الضجيج والشعارات الفارغة. وبهذا المعنى، يمكن القول إن قضية الانتقالي قد انتهت فعليًا، ولم يتبقَّ منها سوى خطاب مهترئ ومليشيات منفلتة.
ولم يتّعظ بقايا الانتقالي من دروس الماضي. فها هم اليوم يكررون الخطأ ذاته بمحاولات مضايقة المندوب السعودي، والاعتداء على قوات درع الوطن في عدن، متوهمين أن هذا السلوك يشكل أداة ضغط على المملكة العربية السعودية.
لكنهم، وكعادتهم، يخطئون التقدير. فما يقومون به ليس ضغطًا سياسيًا، بل استفزاز مباشر، ودفع متعمّد نحو إثارة غضب المملكة، وتسريع ردّة فعلها. وهي ردّة فعل، بكل الحسابات السياسية، ستصبّ في مصلحة حضرموت وأبنائها، وستُسرّع من الإعلان عن دولة حضرموت والمهرة المتحدة.
الخاسر الوحيد في هذا المشهد هو ما تبقّى من “القضية الجنوبية”، وتلك العصابات التي تعبث بأمن عدن اليوم، والتي سيكون مصيرها المجهول والضياع الكامل، ومعها الضياع النهائي لما تبقّى من ذلك المشروع.
ومع خروج حضرموت والمهرة في إطار دولة اتحادية مستقلة، لن يتبقّى سوى شبوة، وأبين، وعدن، ولحج؛ وهي مناطق لا تصلح لتشكيل دولة مستقلة، نظرًا لتاريخ طويل من الثارات والصراعات البينية التي لم تُمحَ من الذاكرة الجمعية، والتي ستجعلها في حالة صراع دائم، ما سيدفع بها قسرًا للعودة ضمن صيغة كونفدرالية يمنية شمالًا وجنوبًا.
لقد عبث المجلس الانتقالي المنحل بعدن، ودمّر ما تبقّى من القضية الجنوبية، وها هي بقاياه اليوم، بعقلية رعاة البقر، يدقّون آخر مسمار في نعشها، ويُسرّعون – دون وعي – من قيام دولة حضرموت والمهرة المتحدة.
المحامي صالح باحتيلي النعماني – محام مترافع أمام المحكمة العليا