آخر تحديث :الإثنين-02 مارس 2026-03:20ص

الحوار الجنوبي.. حين يحتكر الورثة القضية ويُقصى أهلها

الخميس - 05 فبراير 2026 - الساعة 03:59 م
حسين علي باهميل

بقلم: حسين علي باهميل
- ارشيف الكاتب


منذ لحظة الاستقلال في 30 نوفمبر، لم يدخل الجنوب في صراعٍ وطنيٍّ جامع، بل أُقحم مباشرة في صراع داخل بيتٍ واحد: بيت الجبهة القومية.

صراع لم يكن يومًا بين الجنوب وخصومه، بل بين رفاق الأمس، ثم بين عيالهم، ثم بين أحفادهم، بينما ظل الجنوب – شعبًا وقضية – مجرد ساحة صراع، لا شريكًا ولا صاحب قرار.

لم تُسقط الجبهة القومية الاستعمار لتفتح الباب للجميع، بل أغلقته خلفها. صادرت الدولة، واختزلت الوطن في تنظيم، والتنظيم في قيادة، والقيادة في جناح، ثم في شخص. ومنذ ذلك اليوم، لم يُسمح للجنوب أن يكون وطنًا يتسع لأبنائه، بل ملكية سياسية تُدار بمنطق الوراثة.

من شريك نضال إلى عدو داخلي

جبهة التحرير، الرابطة، السلاطين، المشايخ، القيادات الاجتماعية، وكل القوى الوطنية التي قاتلت الاستعمار، أُقصيت فورًا.

لا لأنها بلا تاريخ، بل لأنها لم تخضع لمنطق “الوصي الثوري”، ولم تدُر في فلك الجبهة القومية.

هكذا تأسس الإقصاء:

• إقصاء سياسي باسم “الثورية”.

• تصفية جسدية باسم “حماية الثورة”.

• مصادرة للرأي باسم “الشرعية الثورية”.

ثم تحوّل الجنوب إلى مختبر دموي للصراعات الداخلية:

1969، 1972، 1978، 1986…

تواريخ مختلفة، والفاعل واحد، والضحية واحدة.

وفي كل مرة، كان الجنوب يُستنزف، والشعب يُطلب منه الصمت.

من الجبهة القومية إلى الانتقالي: تغيّر الاسم وبقيت العقلية

انتهت الجبهة القومية شكليًا، ثم الحزب الاشتراكي، لكن عقلية الاحتكار لم تمت.

اليوم تتجسد هذه العقلية في المجلس الانتقالي الجنوبي، وفي القوى العسكرية والأمنية التي تدور في فلكه: أحزمة، نخب، وتشكيلات لا تعترف إلا بذاتها، ولا ترى في الجنوب إلا منطقة نفوذ يمكن السيطرة عليها.

وفي هذا المنهج، اختُزل الجنوب فيهم، وصودرت جنوبيته من غيرهم؛ فلا مكان إلا لمن يدور في فلكهم، ولا اعتراف بجنوبيته لمن يخرج عن وصايتهم، وكأن الانتماء الجنوبي صار شهادة ولاء سياسي لا هوية جامعة.

الواقع الحالي: الغائبون والمقصون

اليوم، بينما تتحدث بعض الأطراف عن “الحوار الجنوبي” و”استعادة الدولة”، نجد أن المكونات الحقيقية للجنوب مغيبة:

• حضرموت والمهرة وسقطرى: مكتوفة اليدين، لا صوت لها، رغم ثرواتها الطبيعية وموقعها الاستراتيجي.

• شبوة وأبين وأجزاء من لحج وعدن: بعض محافظاتها تحت سيطرة الأحزمة والمليشيات المحلية، لا ترى إلا مصالح المنتفعين من الانتقالي.

• السلاطين والمشايخ والقيادات التقليدية: مستبعدون من أي عملية حوار، رغم دورهم التاريخي والشعبي.

• شركاء النضال السابقون: القوى الوطنية والسياسية التي لم تتلطخ بالدم أو بالفساد، مستبعدون عن كل قائمة، وكأنهم خارج جغرافيا الجنوب، خارج هويته.

النتيجة: ما يُسمى “حوارًا جنوبيًا” ليس سوى استعراض سياسي لإضفاء شرعية على احتكار السلطة، وإعادة إنتاج العقلية نفسها التي دمّرت الجنوب تاريخيًا.

الحوار الحقيقي لا يُدار بالأوصياء

لا يمكن لحوار جنوبي أن ينجح إذا انطلق من فرضية أن المجلس الانتقالي هو الوصي،

ولا يمكن لقضية عادلة أن تُستعاد بعقلية ترى في الجنوب غنيمة حرب.

القضية الجنوبية ليست ملكًا:

• لا للجبهة القومية.

• ولا للحزب الاشتراكي.

• ولا للمجلس الانتقالي.

• ولا لأي قوة عسكرية أو سياسية تدّعي التفويض الثوري أو التاريخي.

هي ملك كل جنوبي،

من المهرة إلى باب المندب،

ومن حضرموت إلى سقطرى،

ومن السلاطين الذين أُقصوا،

إلى المناضلين الذين صُفّوا،

والمواطنين الذين يدفعون اليوم ثمن صراع لم يختاروه.

الخلاصة المؤلمة

ستة عقود من الصراع، وتبدل المسميات، وبقي السؤال معلقًا:

هل نريد جنوبًا للجميع؟

أم جنوبًا تديره نخبة واحدة باسم الجميع؟

إن لم يُكسر احتكار المجلس الانتقالي للتمثيل،

وإن لم يُفتح الحوار لكل المكونات دون استثناء،

فإن ما يجري اليوم لن يكون إلا امتدادًا للصراع القديم، تحت لافتة جديدة، وبأدوات أشد قسوة.

والتاريخ — مهما حاولوا تزييفه —

لا ينسى،

ولا يرحم.