يثير تأخر الإعلان عن تشكيل الحكومة جملة من التساؤلات المشروعة. بعض هذه التساؤلات قد يكون إيجابيًا، ونأمل أن يكون هذا التأخير نابعًا من حرص مجلس القيادة الرئاسي على اختيار أفضل الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة مفاصل الدولة بكفاءة ومهنية عالية، بما يسهم في تحسين أداء الوزارات خلال مرحلة حساسة تتطلب نتائج حقيقية، لا مجرد إدارة وقت أو تدوير مناصب.
وفي هذا السياق، يفترض ألّا يتم اعتماد أي وزير ما لم يقدّم تصورًا واضحًا وخطة عمل متكاملة لإدارة وزارته، قائمة على أهداف ذكية قابلة للقياس، ومحددة بزمن، وتعالج مكامن الخلل المؤسسي وبناء القدرات، وتحسين الأداء العام. كما أن المرحلة لا تحتمل تعيين وزراء قادمين من بيئات عمل لا تمت بصلة لطبيعة الوزارات التي يتولونها، خصوصًا في ظل التحديات المعقدة التي تعانيها مؤسسات الدولة من ضعف إداري، وخلل تنظيمي، وتراجع في الكفاءة.
وإذا تعذّر اشتراط تقديم هذه الخطط قبل التعيين، فيجب – كحد أدنى – إلزام كل وزير بتقديم خطة تشغيلية أو استراتيجية خلال فترة زمنية محددة بعد توليه المنصب، مع إخضاعه لفترة تقييم أو اختبار لا تتجاوز ثلاثة إلى ستة أشهر. وفي حال عدم تحقيق أي تحسن ملموس أو تنفيذ ما تم التعهد به، يجب أن يكون لرئيس الوزراء الحق الكامل في إعادة النظر في ذلك التعيين. فالوضع الراهن لا يحتمل التجريب، ولا يمكن إدارته دون آليات متابعة دقيقة، وتقارير دورية شفافة تُرفع إلى رئاسة الوزراء، ويطّلع عليها مجلس الوزراء دعمًا وتصويبًا.
ما سبق يفترض حسن النية، وأن يكون تأخير إعلان الحكومة سببه السعي لاختيار الأكفأ. غير أن الاحتمال الآخر – وهو ما نخشاه – أن يكون هذا التأخير ناتجًا عن المحاصصة والمناطقية البغيضة، وإرضاء بعض الأحزاب أو القوى، بما يعيد إنتاج ذات السيناريوهات الفاشلة، ويكرّس الفساد، ويدوّر الوجوه نفسها التي لم تحقق شيئًا يُذكر طوال سنوات المعاناة.
ومن هنا، فإن التطرق إلى وزارة الخارجية في هذا المقال لا يأتي باعتبارها استثناءً، بل كنموذج واضح لما يجب أن يتغير في عمل بقية الوزارات. فإذا لم تكن من أولويات الحكومة القادمة إجراء مراجعة جذرية وشجاعة لأداء وزارة الخارجية، فإن ذلك مؤشر خطير على استمرار النهج القديم. فاليمن، وهو في وضع حرب وانهيار اقتصادي، يمتلك جهازًا دبلوماسيًا متضخمًا لا يتناسب مع إمكاناته ولا يخدم مصالحه، من حيث عدد السفارات والبعثات والملحقيات التي جرى تعيين كثير منها بدوافع المحاباة لا الكفاءة، دون أي أثر ملموس في خدمة اليمنيين أو الدفاع عن كرامتهم في الخارج.
والأخطر من ذلك، أن استمرار اعتماد السفراء وقبول التمثيل الدبلوماسي من الرياض بدلًا عن عدن كعاصمة مؤقتة للجمهورية اليمنية، يخلق مبررًا سياسيًا وواقعيًا لبقاء الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي – وعلى رأسهم فخامة الرئيس الدكتور رشاد محمد العليمي – خارج البلاد، أو في حالة تنقل دائم بين عدن والرياض. وهذا وضع مخزٍ لا يمكن تبريره وطنيًا أو سياسيًا، لأنه يفرغ مفهوم العاصمة المؤقتة من مضمونه، ويُضعف هيبة الدولة، ويجعل الحديث عن استعادة الدولة حديثًا نظريًا لا سند له على الأرض.
فلا يمكن استعادة دولة تُدار من خارج عاصمتها، ولا يمكن إقناع المواطن بوجود سلطة سيادية بينما مؤسساتها العليا لا تعمل من داخل البلاد. وعليه، فإن المسؤولية المباشرة تقع على وزارة الخارجية، ومجلس القيادة الرئاسي، ومجلس الوزراء، لوضع حد نهائي لهذا الواقع، وإلزام كل سفير وكل بعثة دبلوماسية بأن يكون اعتمادها ومقر عملها من عدن، لا من أي عاصمة أخرى.
إن استمرار عمل السفارات من الرياض لا يجب أن يكون ذريعة لبقاء القيادة السياسية خارج عدن، بل العكس تمامًا: عودة السفارات إلى عدن يجب أن تكون مدخلًا لعودة كاملة للدولة، سياسيًا وإداريًا وسياديًا. فجميع السفارات التي كانت تعمل من عدن سابقًا لا تزال مقراتها قائمة، ويمكن إعادة تفعيلها متى ما توفرت الإرادة السياسية، والتنسيق الأمني اللازم.
إن هذا المثال لا يخص وزارة الخارجية وحدها، بل يعكس الخلل ذاته الذي تعانيه كثير من الوزارات، حيث غياب الرؤية، وتضخم الهياكل، وضعف المحاسبة، والانفصال عن واقع الناس. ولذلك، فإن نجاح أي حكومة قادمة مرهون بقدرتها على كسر هذا النمط، والانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة الدولة.
وفي الختام، فإن تأخر إعلان الحكومة يجب أن يكون فرصة لإصلاح حقيقي، لا مدخلًا لإعادة إنتاج الفشل. فإما أن يكون هذا التأخير خطوة نحو اختيار كفاءات قادرة على العمل من داخل الوطن، وبعقل الدولة، أو أن يكون مقدمة لمرحلة جديدة من الإحباط، يدفع ثمنها المواطن وحده. والوقت لم يعد في صالح أحد.